السيد محمد باقر الصدر
41
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )
فبقيت تلك النقطة محافظة على موضعها من الحياة الاجتماعية في المذهب الشيوعي . وبهذا لم تظفر الإنسانية بالحلّ الحاسم لمشكلتها الكبرى ، ولم تحصل على الدواء الذي يطبّب أدواءها ، ويستأصل أعراضها الخبيثة . أمّا مضاعفات هذا العلاج فهي جسيمة جدّاً : فإنّ من شأنه القضاء على حرّيات الأفراد لإقامة الملكية الشيوعية مقام الملكيّات الخاصّة ؛ وذلك لأنّ هذا التحويل الاجتماعي الهائل على خلاف الطبيعة الإنسانية العامّة إلى حدّ الآن على الأقلّ - كما يعترف بذلك زعماؤه - باعتبار أنّ الإنسان المادّي لا يزال يفكّر تفكيراً ذاتيّاً ، ويحسب مصالحه من منظاره الفردي المحدود . ووضع تصميم جديد للمجتمع يذوب فيه الأفراد نهائيّاً ويقضي على الدوافع الذاتية قضاءً تامّاً موضعَ التنفيذِ ، يتطلّب قوّة حازمة تمسك زمام المجتمع بيدٍ حديدية ، وتحبس كلّ صوتٍ يعلو فيه ، وتخنق كلّ نفس يتردّد في أوساطه ، وتحتكر جميع وسائل الدعاية والنشر ، وتضرب على الامّة نطاقاً لا يجوز أن تتعدّاه بحال ، وتعاقب على التهمة والظنّة ؛ لئلّا يفلت الزمام من يدها فجأة . وهذا أمر طبيعيٌّ في كلّ نظامٍ يراد فرضه على الامّة قبل أن تنضج فيها عقلية ذلك النظام وتعمَّ روحيّته . نعم ، لو أخذ الإنسان المادّي يفكّر تفكيراً اجتماعياً ، ويعقل مصالحه بعقليّة جماعية ، وذابت من نفسه جميع العواطف الخاصّة والأهواء الذاتية والانبعاثات النفسية ، لأمكن أن يقوم نظام يذوب فيه الأفراد ، ولا يبقى في الميدان إلّاالعملاق الاجتماعي الكبير . ولكن تحقيق ذلك في الإنسان المادّي الذي لا يؤمن إلّابحياة محدودة ، ولا يعرف معنى لها إلّااللذّة المادّية ، يحتاج إلى معجزة تخلق الجنّة في الدنيا ، وتنزل بها من السماء إلى الأرض . والشيوعيّون يعدوننا بهذه الجنّة ، وينتظرون ذلك اليوم الذي يقضي فيه المعملُ على طبيعة الإنسان ، ويخلقه من