السيد محمد باقر الصدر

30

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

الأفراد نحو الأعمال التي تدعو إليها القيم الخُلُقية ؟ ! مع أنّ كثيراً من تلك الأعمال لا تعود على الفرد بشيء من النفع ، وإذا اتّفق أن كان فيها شيء من النفع باعتباره فرداً من المجتمع ، فكثيراً ما يُزاحَم هذا النفع الضئيل - الذي لا يُدْرِكه الإنسان إلّا في نظرة تحليلية - بفوات منافع عاجلة أو مصالح فردية تجد في الحرّيات ضماناً لتحقيقها ، فيطيح الفرد في سبيلها بكلّ برنامج الخُلُق والضمير الروحي . مآسي النظام الرأسمالي : وإذا أردنا أن نستعرض الحلقات المتسلسلة من المآسي الاجتماعية التي انبثقت عن هذا النظام المرتجل - لا على أساس فلسفيٍّ مدروس - فسوف يضيق بذلك المجال المحدود لهذا البحث ؛ ولذا نلمّح إليها : فأوّل تلك الحلقات : تحكُّم الأكثرية في الأقلية ومصالحها ومسائلها الحيوية ؛ فإنّ الحرّية السياسية كانت تعني : أنّ وضع النظام والقوانين وتمشيتها من حقّ الأكثرية . ولنتصوّر أنّ الفئة التي تمثِّل الأكثرية في الامّة ملكت زمام الحكم والتشريع ، وهي تحمل العقلية الديمقراطية الرأسمالية ، وهي عقلية مادّية خالصة في اتّجاهها ، ونزعاتها ، وأهدافها ، وأهوائها ، فماذا يكون مصير الفئة الأخرى ؟ ! أو ماذا ترتقب للأقلية من حياة في ظلّ قوانين تُشرَّع لحساب الأكثرية ولحفظ مصالحها ؟ ! وهل يكون من الغريب - حينئذٍ - إذا شَرَّعت الأكثرية القوانين على ضوء مصالحها خاصّة ، وأهملت مصالح الأقلية ، واتّجهت إلى تحقيق رغباتها اتّجاهاً مجحفاً بحقوق الآخرين ؟ ! فمن الذي يحفظ لهذه الأقلية كيانها الحيوي ، ويذبُّ عن وجهها الظلمَ ، ما دامت المصلحة الشخصية هي مسألة كلّ فرد ، وما دامت الأكثرية لا تعرف للقيم الروحية والمعنوية مفهوماً في عقليّتها الاجتماعية ؟ ! وبطبيعة الحال ، أنّ التحكّم سوف يبقى في ظلّ النظام كما كان