السيد محمد باقر الصدر

134

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

وبعد ذلك نرى ديكارت يقيم صرح الوجود كلّه على نقطة واحدة ، وهي : أنّ الأفكار التي خلقها اللَّه في الإنسان تدلّ على حقائق موضوعية ، فلو لم تكن مصيبة في ذلك لكان اللَّه خادعاً ، والخداع مستحيل عليه . وبسهولة يمكن أن نتبيّن الخلط بين المعرفة التأمّلية والمعرفة العملية في برهانه ؛ فإنّ قضية ( الخداع مستحيل ) هي الترجمة غير الأمينة لقضية ( الخداع قبيح ) ، وهذه القضية ليست قضية فلسفية ، وإنّما هي فكرة عملية ، فكيف شكّ ( ديكارت ) في كلّ شيء ولم يشكّ في هذه المعرفة العملية التي جعلها أساساً للمعرفة التأمّلية الفلسفية ؟ ! ! أضف إلى ذلك أنّ تسلسل المعرفة في مذهب ديكارت ينطوي على دور واضح ؛ فإنّه حين آمن بالمسألة الإلهية أقام إيمانه هذا على قضية يفترض صدقها سلفاً ، وهي : أنّ الشيء لا يخرج من لا شيء ، وهذه القضية تحتاج بدورها إلى إثبات المسألة الإلهية ؛ لتكون مضمونة الصدق ، فما لم يثبت أنّ الإنسان محكوم لقوّة حكيمة غير مخادعة ، لا يجوز لديكارت أن يثق بهذه القضية ، ويقضي على شكّه في سيطرة قوّة خدّاعة للفكر الإنساني . وأخيراً فلسنا بحاجة لتوضيح خلط آخر صدر منه بين ( فكرة اللَّه ) و ( الحقيقة الموضوعية التي تدلّ عليها ) حين آمن باستحالة انبثاق هذه الفكرة عن الإنسان ؛ لأنّها أكبر منه . والحال أنّها لا تزيد على فكره ، وإنّما يستحيل على الإنسان أن يخلق لهذه الفكرة حقيقتها الموضوعية . وليس هدفنا بالفعل التوسّع في مناقشة ( ديكارت ) ، وإنّما نعني عرض وجهة نظره في قيمة المعرفة الإنسانية التي تتلخّص في الإيمان بالقيمة القاطعة للمعارف العقلية الفطرية خاصّة .