السيد محمد باقر الصدر

117

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

هذا التطوير للكلمة لا يتناقض مع التسليم بأ نّها ذات معنىً في استعمال آخر للكلمة لا تدمج فيه التجربة في المعنى . ولا أدري ماذا يقول الأستاذ آير وأمثاله من الوضعيين عن القضايا التي تتّصل بعالم الطبيعة ، ولا يملك الإنسان القدرة على التثبّت من صوابها أو خطئها بالتجربة ، كما إذا قلنا : ( إنّ الوجه الآخر للقمر الذي لا يقابل الأرض زاخر بالجبال والوديان ) فإنّنا لا نملك وقد لا يتاح لنا في المستقبل أن نملك الإمكانات التجريبية لاستكشاف صدق هذه القضية أو كذبها بالرغم من أنّها تتحدّث عن الطبيعة ، فهل يمكن أن نعتبر هذه القضية خاوية لا معنى لها ؟ مع أنّنا نعلم جميعاً أنّ العلم كثيراً ما يطرح قضايا من هذا القبيل على صعيد البحث قبل أن يملك التجربة الحاسمة بصددها ، ويظلّ يبحث عن ضوء ليسلّطه عليها حتّى يجده في نهاية المطاف أو يعجز عن الظفر به ، فلماذا كلّ هذا الجهد العلمي لو كانت كلّ قضية لا تحمل بيدها دليل صدقها أو كذبها من التجربة خواءً ولغواً من القول ؟ ! وتحاول الوضعية في هذا المجال أن تستدرك ، فهي تقول : إنّ المهمّ هو الإمكان المنطقي لا الإمكان الفعلي ، فكلّ قضية كان ممكناً من الوجهة النظرية الحصول على تجربة هادية بشأنها ، فهي ذات معنىً وجديرة بالبحث وإن لم نملك هذه التجربة فعلًا . ونحن نرى في هذه المحاولة أنّ الوضعية قد استعارت مفهوماً ميتافيزيقياً لتكميل بنائها المذهبي الذي شادته لنسف الميتافيزيقا ، وذلك المفهوم هو : الإمكان المنطقي الذي ميّزته عن الإمكان الفعلي ، وإلّا فما هو المعطى الحسّي للإمكان المنطقي ؟ ! نقول للوضعية : إنّ التجربة ما دامت غير ممكنة في الواقع ، فماذا يبقى للإمكان النظري من معنىً غير مفهومه الميتافيزيقي الذي لا أثر له على