السيد محمد باقر الصدر
115
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )
للقضية معطيات حسّية ولو بصورة غير مباشرة ؟ فإن كانت الوضعية تلغي كلّ قضية ما لم يكن مدلولها معطىً حسّياً وظرفاً واقعياً يخضع للتجربة فهي بذلك لا تسقط القضايا الفلسفية فحسب ، بل تشجب - أيضاً - أكثر القضايا العلمية التي لا تعبّر عن معطىً حسّيٍّ ، وإنّما تعبّر عن قانون مستنتج من المعطيات الحسّية كقانون الجاذبية ، فنحن نحسّ بسقوط القلم عن الطاولة إلى الأرض ولا نحسّ بجاذبية الأرض ، فسقوط القلم معطىً حسّيٌّ مرتبط بالمضمون العلمي لقانون الجاذبية ، وليس للقانون عطاء حسّي مباشر . وأمّا إذا اكتفت الوضعية بالمعطى الحسّي غير المباشر ، فالقضايا الفلسفية لها معطيات حسّية غير مباشرة كعِدّة من القضايا العلمية تماماً ، أي : توجد هناك معطيات حسّية وظروف واقعية ترتبط بالقضية الفلسفية ، فإن صحّت كانت القضية صادقة وإلّا فهي كاذبة . خذ إليك - مثلًا - القضية الفلسفية القائلة : بوجود علّة أولى للعالم ، فإنّ محتوى هذه القضية وإن لم يكن له عطاء حسّي مباشر ، غير أنّ الفيلسوف يمكنه أن يصل إليه عن طريق المعطيات الحسّية التي لا يمكن تفسيرها عقلياً إلّاعن طريق العلّة الأولى ، كما سنرى في بحوث مقبلة من هذا الكتاب . وهناك شيء واحد يمكن أن تقوله الوضعية في هذا المجال ، وهو : أنّ استنتاج المضمون الفكري للقضية الفلسفية من المعطيات الحسّية لا يقوم على أساس تجريبي ، وإنّما يقوم على أسس عقلية ، بمعنى : أنّ المعارف العقلية هي التي تحتّم تفسير المعطيات الحسّية بافتراض علّة أولى ، لا أنّ التجربة تبرهن على استحالة وجود هذه المعطيات بدون العلّة الأولى ، وما لم تبرهن التجربة على ذلك لا يمكن أن تعتبر تلك المعطيات عطاءً للقضية الفلسفية ولو بصورة غير مباشرة . وهذا القول ليس إلّاتكراراً من جديد للمذهب التجريبي ، وما دمنا قد عرفنا سابقاً أنّ استنتاج المفاهيم العلمية العامّة من المعطيات الحسّية مدين