سليمان بن حسان الأندلسي ( ابن جلجل )

113

طبقات الأطباء والحكماء

وثلاثمائة 3 وغزوا معه غزاته إلى شنت استبين 4 وانصرفا ، وألحقهما لخدمته بالطب ، وسكّنهما 5 مدينة الزهراء 6 واستخلصهما لنفسه دون غيرهم ممن كان في ذلك الوقت من الأطباء ، ومات عمر بعلة المعدة ، ورمت له ، فلحقه ذبول من أجلها ومات ؛ وبقي أحمد مستخلصا ، وسكّنه المستنصر في قصره بمدينة الزهراء ، وكان لطيف المحل عنده . كان يقعد بين يديه في غلالة في الصيف ، وكان يرتب أكله بين يديه ، [ 71 ] وكذلك كان يصل إلى أمير المؤمنين ، وكان عنده أمينا مؤتمنا يطلعه على العيال والكرائم ، وكان رجلا صحيح العقل حليما عالما بما شاهد علاجه ورآه عيانا بالمشرق . حدثني بنفسه قال : وصفت لأمير المؤمنين المستنصر باللّه حوانيت ( رأيت بالبصرة للطباخين واتقانها ) 7 وحسن ترتيب الأطعمة ، وأنها موضوعة في غضاير 8 وعليها مكاب الزجاج ، ولهم خدّام وقوف بالمناديل والأباريق ، والحوانيت مسطحة بالرخام الملون ، الفائت في الحسن . فركب المستنصر يوما من الزهراء إلى قرطبة ، وأنا في موكبه ، فلما أتى المدى 9 - موضع الطباخين - نظر إلى الملل 10 التي يطبخ فيها الشحوم ، فتأملها ، فلما نزل القصر ، افتقدنى ، فأوصلنى إلى نفسه ، وقال لي : يا أحمد ! . . أين هذه الملل من تلك الغضائر التي بالبصرة ؟ ، وضحك على ذلك . ثم قال لي : ما في تلك الملل ؟ . . فقلت له : [ 72 ] أطراف وشحوم يا أمير المؤمنين . فضحك على ذلك وعجب به . وتولى إقامة خزانة بالقصر للطب لم يكن قط مثلها ، ورتب لها اثنى عشر صبيا ( صقالبة ) 11 طباخين للأشربة ، صانعين للمعجونات ؛ واستأذن أمير المؤمنين أن يعطى منها من احتاج من المساكين والمرضى ، فأباح له ذلك . وكان بصيرا بالأدوية المفردة ، وصانعا للأشربة والمعجونات . معالجا لما وقف عليه . وكان يداوى العين مداواة نفيسة ، وله بقرطبة في ذلك آثار . وكان لا يعذر أهل الدنيا ، في الارسال إليه بالمال عند علاجه لهم . وكان يواسى بعلمه ، صديقه وجاره ورجلا مسكينا 12 . وولاه المؤيد 13 باللّه خطة الشرطة 14 ، وخطّة السوق 15 . وكان بكىء 16 اللسان ، ردئ الخط ، لا يقيم هجاء حروف كتابه . ومات بحمى الربع 17 وعلة الاسهال .