سليمان بن حسان الأندلسي ( ابن جلجل )
85
طبقات الأطباء والحكماء
أنه متى أحب الانصراف إلى وطنه انصرف . وبه ظهر الطب 5 بالمغرب ، وعرفت الفلسفة . وكان طبيبا حاذقا مميزا 6 بتأليف الأدوية المركبة ، بصيرا بتفرقة العلل ، أشبه الأوائل في علمه وجودة قريحته ، استوطن القيروان حينا ، وألف 7 كتبا ؛ منها : كتابه المعروف بنزهة النفس ، وكتابه في داء المالخونيا 8 لم يسبق إلى مثله ، وكتابه في الفصد ، وكتابه في النبض 9 . ودارت له [ 49 ] مع زيادة اللّه بن الأغلب محنة أوجبت الوحشة بينهما ، حتى صلبه ابن الأغلب . وكان إسحاق ، قد استأذنه في الانصراف إلى بغداد . فلم يأذن له ، وكان إسحاق يشاهد أكل ابن الأغلب ، فيقول له : كل هذا ، ودع هذا ، حتى ورد على ابن الأغلب حدث يهودي أندلسي ، فاستقر به ، وخف عليه ، وأشهده أكله ، فكان إذا قال إسحاق له : أترك هذا لا تأكله ، قال الإسرائيلى : نصلحه 10 عليك . وكان بابن الأغلب علة النسمة ، وهي ضيق النفس ، فقدّم بين يديه لبن مريّب ، فهمّ بأكله ، فنهاه إسحاق ، وسهّل عليه الإسرائيلي ، فوافقه بالأكل ، فعرض له في الليل ضيق نفس 11 ، حتى أشرف على الهلاك . فأرسل لإسحاق ، وقيل له : هل عندك من علاج ؟ فقال : قد نهيت 12 فلم يقبل منى ، ليس عندي علاج . فقيل لإسحاق : هذه خمسمائة دينار 13 وعالج 14 . فأبى حتى انتهى 15 إلى ألف مثقال ، فأخذها وأمر باحضار الثلج ، [ 50 ] وأمره بالأكل منه حتى يمتلئ 16 ، ثم قيّأه ، فخرج جميع اللبن قد تجبن ببرد الثلج . فقال إسحاق : أيها الأمير ، لو وصل 17 هذا اللبن إلى أنابيب رئتك ولحج 18 فيها أهلكك بتضييقه للنفس 19 . لكني أجمدته 20 وأخرجته قبل وصوله . فقال زيادة اللّه : باع إسحاق روحي في النداء ، اقطعوا رزقه ، فلما قطع عنه الرزق ، خرج إلى موضع فسيح من رحاب القيروان ، ووضع هنالك كرسيّا ودواة وقراطيس ، فكان يكتب الصفات كل يوم بدنانير ، فقيل لزيادة اللّه : عرضت بإسحاق للفنى 21 . فأمر بضمه إلى السجن ، فتبعه الناس هنالك ، ثم أخرجه بالليل إلى نفسه . وكانت له معه حكايات ومعاتبات ، حتى غضب عليه زيادة اللّه وأمر بفصده