نخبة من الأكاديميين
95
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
وفي رأي البعض إن استخدام مصطلح « برابرة » على هذا النحو كان أمرًا تقليديًا ؛ إذ إن الكلمة تصف ثقافة أجنبية ومؤسسات غربية ، مثلما استخدم الإغريق القدامى هذا المصطلح للدلالة على كل من لا يأخذ بالأسلوب الإغريقي أو لا يتحدث اللغة اليونانية ، استخدمها الرومان لتحقير « الآخر » بشكل عام . وفي هذا السياق استخدمها اللاتين أيضاً في أوروبا العصور الوسطى ضد المسلمين في مؤرخاتهم أشعارهم وأغانيهم ، على نحو ما بينا في الصفحات السابقة . فقد وردت كلمات تصف المسلمين من العرب والأتراك Arabes et Turques بأنهم برابرة ، وأنهم وثنيون ومن الأغيار . ومن المثير أن وليم الصوري William of Tyre السابق ذكره ( أسقف صور ، والمؤرخ الصليبي الوحيد الذي ولد وعاش على الأرض العربية في فلسطين ) كتب بعد حوالي سبعين سنة من الخطبة التي ألقاها أوروبان الثاني في كليرمون ، متخيلًا كيف كان رد فعل الخليفة الفاطمي تجاه الحملة الصليبية الأولى : « أمير مصر ، الذي كان أقوى الحكام الشرقيين . . . جمع جيوشًا جرارة قائلًا : إن من العار أن شعبًا بربربًا من أقاصي الأرض ، يدخل مملكته ، ويحتل بالعنف ولاية خاضعة لحكمه . . . » فقد استخدم وليم الصوري ، الذي كان هو نفسه من نتاج الاستيطان الصليبي ، مصطلح « البرابرة » في سياق كتابته التاريخية للدلالة على قومه ، فيكشف عن أن العداء يستدعي ، بالضرورة إدانة « الآخر » . كانت هذه هي الملامح العامة لصورة المسلمين في العقل الغربي في فترة الحروب الصليبية . ومن المهم هنا أن نشير إلى أنه أن غالبية المسلمين والأوروبيين ، لم تكن الحروب الصليبية حروباً عادية بسبب التنافس الاقتصادي ، أو السياسي ، أو بسبب النزاع على الحدود الجغرافية ، وإنما كانت ، في نظر كل من الطرفين ، « حرب المؤمنين ضد الكفار » . وكان من الطبيعي أن يحاول كل منهما تشويه صورة الآخر . بيد أن ما يلفت النظر هنا أنه بينما كان « الاختلاق » ، والخيال الشرير الناجم عن الجهل ، وعدم الرغبة في المعرفة ، هي من سمات موقف الكتابات الأوروبية كما أسلفنا ، فإن « الترصد » ، « والتعالي » ، و « العداء » كانت من خصائص الكتابات العربية عن الفرنج زمن الحروب الصليبية بوجه عام . ( 7 ) الموقف في العالم المسلم يمكننا أن نقرر ، بصورة عامة ، أن الحروب الصليبية لم تنتج أي تأثير سلبي من جانب المسلمين تجاه المسيحيين من أبناء البلاد الإسلامية آنذاك . فلم يحدث أي تغيير في وضع أهل الذمة ، بل استمر المسيحيون في حياتهم العادية داخل المجتمعات العربية ، وتولى عدد منهم مناصب مهمة في الدولة . وعندما جاء الصليبيون إلى المنطقة في أواخر القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي ، كان التعايش بين المسلمين والمسيحيين قد أثبت قوته على مدى أربعة قرون . ولا نجد في المصادر التاريخية