نخبة من الأكاديميين
913
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
بالنسبة للغزالي فلا بد أن نتذكر أيضاً أن دوره مقارنة بفخر الدين الرازي في تطبيق الطريقة الجديدة في علم الكلام كان ضئيلًا حسب ما نعرفه من كتب الغزالي الكلامية الموجودة ، مثل كتابي " الاقتصاد " " وإلجام العوام " . ويظهر من خلال كتاب الاقتصاد أنه كان يتحرك في إطار طريقة المتقدمين من علماء علم الكلام من الأشاعرة وغيرهم في كثير من الاصطلاحات والمفاهيم والأدلة ؛ وأن المتكلمين تعرفوا من قبل عصر الغزالي والجويني على المنظومة الفلسفية الإسلامية وعلى آراء ابن سينا وغيرهم من الفلاسفة ، وهذه الحركة بدأت مع أبي الحسين البصري واقتراحاته الكلامية المستمدة من الفلاسفة ، وبطريقته في المزج بين الفلسفة وعلم الكلام كما شرحنا سابقاً . إضافة إلى أن الغزالي كتب أيضاً في إطار الفلسفة ، أو أنه في كثير من كتبه تأثر بالفكر الفلسفي وبابن سينا ؛ وكذلك من جهة التعريف بآراء الفلاسفة مثل كتاب " مقاصد الفلاسفة " ، ولعل هذا كان بسبب تعلقه ببعض أفكارهم وخاصة في كتبه التي لا تزال مدار بحث ومناقشة حول مدى صحة انتسابها إليه . ولكن حركته في التعرف على الفلاسفة والاستفادة من نهجهم المنطقي واصطلاحاتهم ، فتح الباب على شرعنة الفلسفة عند السنة وإن خالفه الكثيرون من الأشاعرة وأهل السنة وأصحاب الحديث من السنة في هذا الاتجاه في ما بعد ؛ ولكن المنطق دخل معه في إطار التعليم المؤسساتي الديني إلى حدٍ ما وإن بشكلٍ بطيء ؛ ولذلك فتح الطريق أمام الأشاعرة لكي يتعلموا الفلسفة والمنطق . ولا يمكن أن ننسى فضل المتكلم والعالم الشهير محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ( المتوفى سنة 548 ه - ) في ذلك أيضاً من خلال كتبه الكلامية ، مثل " نهاية الأقدام في علم الكلام " الذي تناول فيه آراء الفلاسفة ، وردّ عليهم فيها وأيضاً من خلال كتاب الملل والنحل . فمع النظرة الإيجابية للغزالي تجاه المنطق الأرسطي ، فإن الفقهاء والأصوليين السنة قبلوا ، وكما قلنا ، بالمنطق الأرسطي وبدأوا بتعلمه وتعليمه ، وقد تم هذا استناداً إلى ما سميناه عملية الشرعنة التي بدأها الغزالي بالنسبة إلى المنطق الأرسطي ، وكتبوا فيها في جانب اهتماماتهم بعلم أصول الفقه وأصول الدين ( علم الكلام ) وكذلك استفادوا منها في الفقه والأصول والعقائد . وكثر تدريجياً تدوين الكتب المنطقية من جانب الفقهاء السنة ومتكلميهم . ولكن بسبب الانتقاد الحادّ للغزالي للفلسفة ولابن سينا في كتابه تهافت الفلاسفة ، فإنهم وإن تعلموا المنطق ( وأحياناً الفلسفة أيضاً ) ، إلا أنهم كانوا ينتقدون الفلسفة عندما يرونها تخالف الرؤية الكلامية السنية ( الأشعرية أو الماتريدية ) ، وهكذا دخلوا في حوار نقدي مع الفلاسفة ؛ خاصة وأنّ مع الغزالي أمكن لمتكلمي أهل السنة أن يتعلموا الفلسفة ؛ لذا كانت تنتشر في خراسان والعراق ومصر انتشاراً واسعاً . ومع تعرّف المتكلمين الأشاعرة على الفلسفة وعلى كتب أبي علي ابن سينا أدرك المتكلمون عمق الاختلاف بين الاتجاه الفلسفي والاتجاه الأشعري ، وسرعان ما انتقلوا إلى الرد عليهم ؛ فلذلك فإنهم وإن تعلموا الفلسفة ، ومهروا فيها أحياناً ، فقد كانوا قلقين بالنسبة إلى عقائدهم الدينية والكلامية ، وإن تأثروا في المصطلحات والموضوعات والمفاهيم أو الاستدلالات بالعالم المصطلحي والمفهومي للفلاسفة ؛ فمثلًا في عصر فخر الدين الرازي وقبيل عصره تعلم بعض