نخبة من الأكاديميين

911

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الطريقة الجدلية ودخول المنطق الأرسطي في علم الكلام تأسس علم الكلام من حيث الشكل والصورة على أساس طريقة البحث الجدلي ، مستفيداً من مقولة " إن قلتَ ، قلتُ " ؛ وعلى هذا الأساس ، فعلم الكلام في الإسلام بنية جدلية وإقناعية / بحثية . وتدريجياً تشكلّت أساليب البحث الجدلي وأصول الجدل الكلامي ، وآداب البحث والنظر وأسسها . وعادة يتكلم المتكلمون في كتبهم الكلامية عن هذا كله وعن النظر وضرورته وطريقته . ونشير هنا فقط إلى أنّ لعلم الكلام بنية منطقية خاصة به ، وأنّ طريقة البحث الجدلي عند المتكلمين وكذا طرق القياس والنظر تختلف تماماً مع نوعية الاستدلال البرهاني عند فلاسفة المسلمين . فعلم الكلام الأشعري ومنذ مؤسّسه أبي الحسن الأشعري وخاصة بمساعي أبي بكر الباقلاني استفاد من طريقة الاستدلال الجدلي الكلامي ، لأجل الاستدلال على العقائد الدينية بصورة منتظمة مبنيَّاً على سلسلة من الأصول الموضوعة لديهم ولكن مع أبي حامد محمد الغزالي تعرّف المتكلمون على المنطق الأرسطي ووجدوه الشيء المناسب للاستفادة منه في طرقهم الاستدلالية الكلامية للدفاع عن عقائدهم الدينية . وانطلاقاً من النظرة النقدية للغزالي تجاه مناهج المتكلمين الجدلية ، اقترح الاستفادة من المنطق اليوناني الأرسطي في الأدلة الكلامية وفي الفقه ، إذ إنه لم يكن يرى فيه مخالفة للشريعة ؛ فكما هو معلوم آثر المنطق الأرسطي على الطريقة الكلامية في الاستدلال ، وكتب كتباً عدة فيه ودافع عنه في مقابل النظرية التعليمية للإسماعيليين ، والدعوة الجديدة لهم وهذا الاتجاه أثّر في الكتب الأصولية والفقهية وعلم الخلاف / الجدل الفقهي في ما بعد ، وعند المتكلمين والفقهاء من أهل السنة . وهكذا تغير مسار علم الكلام مع الغزالي ، فالمتكلمون الأشاعرة بعد الغزالي ومع غياب المعتزلة عن المعترك الثقافي شرعوا في تأليف كتب في علم المنطق حسب المنطق الأرسطي ، وصار علم المنطق أحد اهتماماتهم واهتمامات الأصوليين من السنة . تفسير ابن خلدون لمسارات علم الكلام انطلاقاً من وظيفة علم الكلام ، يفسّر ابن خلدون ( المتوفى سنة 808 ه - ) طريقة متكلمي الأشاعرة الأوائل ( ما يسمى بطريقة المتقدمين ) في كيفية الاستدلال ورؤيتهم بالنسبة للأدلة الكلامية وصلتها بالإيمان من جهة ، وبقواعد منطق الاستدلال من جهة أخرى ، قائلًا في المقدمة « 1 » : " وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني ، فتصدر للإمامة في طريقتهم وهذبها ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار وذلك مثل : إثبات الجوهر الفرد والخلاء وأن العرض لا يقوم بالعرض وأنه لا يبقى زمانين . وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم . وجعل هذه القواعد تبعاً للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف تلك الأدلة عليها وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول . فكملت هذه الطريقة وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية . إلا أن صور الأدلة فيها في بعض الأحيان جاءت على غير الوجه الصناعي لسذاجة القوم ، ولأن صناعة المنطق التي تسير بها الأدلة

--> ( 1 ) أنظر : ابن خلدون ، المقدمة ( تاريخ ) ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، 1 / 465 - 467 .