نخبة من الأكاديميين
901
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
السنة والجماعة " ) بطريقة الجدل الكلامي . وكان أبو الحسن الأشعري ذا طريقة خاصة ، إذ إنه سلك طريقة من تقدمه في هذا الميدان ، من أمثال أبي كلاب والقلانسي ، وأسّس مدرسة جديدة في علم الكلام ، سميت في ما بعد بالأشعرية . فالأشعري اختلف في كثير من المسائل مع عقائد أصحاب الحديث السني ؛ ونسب إليه كتاب " الإبانة " ؛ وهو كتاب في العقيدة حسب معتقد أصحاب الحديث ، إلا أننا لا بد أن نكون حذرين تجاه ما نسب إليه ؛ لأنه كان يعيش مراحل مختلفة في حياته الفكرية ، وقد تتلمذ مرحلة من حياته على أبي علي الجبائي ؛ وله كتب كلامية بامتياز ، يدافع فيها عن علم الكلام والنظر ، وله آراء مختلفة مع آراء وعقائد أصحاب الحديث . ومع نشر كتاب مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري لابن فروك ( المتوفى سنة 406 ه - ) ، فإن لدينا الآن فقرات عديدة من كتبه الكلامية ، ونعرف من خلال هذا أنه هو الذي انطلق في إبداء آراء كلامية كانت تستمر عند تلامذته ومدرسته . وقد اختلف في ما بعد اتجاه المتكلمين الأشاعرة مقارنة مع عقيدة السلف ، كما يمثلها أصحاب الحديث والحنابلة مثل أحمد بن حنبل ؛ فبعضهم كان أقرب إلى الحنابلة ويميل أكثر إلى عدم تأويل الآيات والأحاديث في موضوع الصفات الإلهية . أما أصحاب الحديث والحنابلة فلهم آراء متعددة حول مختلف تيارات المتكلمين بالنسبة إلى مدى تقرب هؤلاء إلى السنة وعقيدة السلف ؛ ولكن لا بد من القول إنه ومع تزايد الخلافات بين المتكلمين الأشاعرة وبين الحنابلة والتي نتجت عن استلزامات كلامية جديدة ، وقبول الأشاعرة لبعض مبادئ المعتزلة مثل ما نرى مع إمام الحرمين الجويني ( المتوفي سنة 478 ه - ) في قبوله نظرية الأحوال ، فإنه كان من الطبيعي بروز أدب " الرد على الأشاعرة " من قبل الحنابلة وأصحاب الحديث في أمورٍ عدة ؛ مثل اعتقاد الأشاعرة بالكلام النفسي القديم ، وحدوث الكتاب المنزل لله المتكلم بالكلام النفسي ، الذي هو صفة له قديمة بذاته ، وهو ليس من جنس الحروف والأصوات . أما عقيدة الأشاعرة الإثباتية ( عقيدة المثبتة / الصفاتية ) في الصفات الإلهية ، وقبول نظرية الصفات بصورة تتناسب مع الفاعلية المطلقة لله ، ورفضهم النظرية التنزيهية المغايرة مع الوجود الشخصي لله ، وعدم الانفلات في التأويل الشامل للصفات التشبيهية في القرآن والأحاديث ، ( وإن قبلوا نظرية التأويل كمبدأ وحتى أحياناً نظرية الكيفية المجهولة مع التأكيد على عدم التشبيه بكل الأشكال ) ، مثل قولهم بالرؤية ( رؤية الله في الآخرة ) فإنها جاءت عن حقيقة صلتهم بمتكلمي السنة ، وأطياف داخل التقليد الحديثي / الفقهي والمتبع للسنة / الجماعة مع وجود نزعة كلامية / جدلية والمستفيد من العقلية الكلامية عندهم . من جهة أخرى ، فإن المتكلمين الأشاعرة ومع اعتقادهم بفاعلية الله المطلقة والتوحيد الأفعالي ، اعتبروا أنه لا يوجد حلّ لإشكالية القضاء والقدر الإلهيين إن لم نعتقد بعدم قدرة العبد في خلق أفعاله . ولذلك رأوا أن في نظرية " الكسب " إمكانية لها أهمية خاصة في أن نعمل لأجل التوافق بين إطلاقية قدرة الله ، وبين مسؤولية الإنسان حسب الشريعة الإسلامية . أما الجيل الثاني من المتكلمين الأشاعرة الذين أخذوا من تلاميذ أبي الحسن الأشعري ، كابن فورك