نخبة من الأكاديميين
889
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الفعل الإنساني ، وتحليل قدراته بصورة فلسفية وكلامية ، إذ من المحتمل وجود نوع من التأثير للأبحاث الكلامية عند المسيحيين العرب والسريان في هذا الخصوص على المسلمين في هذا الوقت المبكر في الشام وفي العراق . وعلى كل حال ، يجدر أن نعرف أنه كان يجري نقاش بين أصحاب الإلهيات وأصحاب الآراء من المسيحيين واليهود وحتى الزرادشتيين حول هذه المفاهيم قبيل الإسلام ، وفي الفترة نفسها ، ولكن لا نعرف بالضبط هل تحقق التأثير منهم فعلًا على أصحاب هذا النقاش بين المسلمين الأوائل أم لا ؟ إلا أن ما يمكن قوله أن هذه المسألة هي باكورة المباحث ذات الطابع الكلامي بين المسلمين في القرن الثاني الهجري على الأقل . بدايات علم الكلام بناءً لما سبق ، يظهر كيف تشكلت جماعات مختلفة في العراق والشام وخراسان والجزيرة العربية ، يتناقشون ويتكلمون في المسائل المذهبية ، وهكذا تكّون الوعي الديني ، مبتنياً على مسائل دينية ، ومسائل تتعلق بالله والإنسان والإيمان وموقع الإنسان في العالم ، ومدى مسؤوليته في التاريخ المقدس ، الذي رسمه الله له حسب المنظور الديني في الإسلام ، ومصادره من القرآن إلى السنة النبوية ، وإلى الصورة الدينية التاريخية التقليدية عند المسلمين أنفسهم ، من عهد الصحابة وبعده إذ إنه منذ ظهور جماعة القراء في الكوفة وغيرها من الأمصار وحتى بروز المحكِّمة والمرجئة وإن كان بإمكاننا أن نعتبر بعض الجماعات الدينية أول من تكلم في المسائل ذات الطابع الكلامي التي عرفت في ما بعد بعلم الكلام الإسلامي ؛ غير أن هناك تضارباً واختلافاً في الآراء حول نشأة علم الكلام ، وبدايات المسائل التي كانت تدار وتناقش بين المتكلمين ، ولماذا سمي علم الكلام بهذا الاسم ؟ لقد كانت حلقة حسن البصري ( المتوفى سنة 110 ه - ) ، التابعي المشهور في البصرة محور هذه الأبحاث في العراق ، التي كان من نتائجها ظهور المعتزلة وعلى رأسهم واصل بن عطاء ( المتوفى سنة 131 ه - ) وعمرو بن عبيد ( المتوفى سنة 144 ه - ) اللذين كانا من أوائل الذين قاموا بدورٍ عقيديّ مهم في بلورة الأبحاث الكلامية ، والخلافات المذهبية ، وكذلك في تحريك وتشغيل الأذهان بهذه المسائل في أوائل القرن الثاني الهجري . فالمعتزلة مع اعتقادهم بموقع العمل في تعريف الإيمان ، وباعتقادهم بفسق من آمن ، ولكنه عمل عملًا غير صالح من غير توبة إذ إنهم ربطوا بشكلٍ صريح بين هذا وبين اعتقادهم بالقدر / حرية الاختيار للإنسان . وبهذين المبدأين كانوا يعتقدون ويدعون إلى المسؤولية الكبيرة للإنسان المؤمن في تصرفاته تجاه نفسه ، وتجاه الأمة - الجماعة والمجتمع ، والسياسة والدين معاً ، ويعتقدون أيضاً أن الإيمان مرتبط بهذا كله ؛ ولذلك كانت لهم وجهة نظر نقدية تجاه السلطات الأموية وسلطة الخليفة بالذات ، وقد عبّروا عن رأيهم بصورة دعوية واضحة ، بحيث يمكن وصف حالتهم ببداية الفكر الثوري في الإسلام . هذا ، وفي جانبهم كانت تتحرك القدرية والمرجئة ( في مناطق جغرافية مختلفة منها خراسان ) وبطبيعة الحال المحكِّمة