نخبة من الأكاديميين
886
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الدولة خاصة . ومن أهم هذه الحركات حركة الخوارج التي كانت نتيجة الفتنة الأولى في التاريخ الإسلامي . وكانت لفئات المحكمة الخوارج في القرنين الأول والثاني الهجريين تأثيرات كبيرة على سير الأفكار والرؤى المذهبية في الإسلام ، وفي طرح الأسئلة والإشكاليات الفكرية والدينية . ومن أهم هذه الأفكار والمشكلات الجديدة مشكلة تحديد الإيمان وحدود الجماعة الدينية وإمكانية تعريف الإيمان ، ومن هو المؤمن ؟ هذه المسألة من نتائج الخلاف الحاصل بين المسلمين حول الفتنة الأولى والحرب الأهلية ، التي كانت سبباً رئيسياً في بروز إشكالية الموالاة والبراءات ذات الصبغة الدينية بين المسلمين ، وتكفير الناس بعضهم بعضا أو اتهام بعضهم للبعض بالفسق كما حصل عند المحكمة وفي مناسبات غيرها . وشكّلت ظاهرة الفتنة مجالًا واسعاً لطرح هذه الإشكاليات والأسئلة : كيف يمكن أن نفسّر حركة الأمة المقدسة والتي لها دور تاريخي مقدس هو أمانة الله وعلى أساس دعوة إلهية تحكم بالقرآن والنبي ( ص ) ، نحو انقسام واختلاف وحرب داخلية . ونحو الفرقة بدلًا من الوحدة ؟ وأن تصير إلى استعلاء فئة دون أخرى ؟ وأين موقع الإسلام والإيمان وأصل الدعوة من ذلك كله ؟ ما هو موقع الدعوة بين الأمة والدولة وما هي سلطة الدولة ؟ وما مصدرها ومداها ؟ ومن أين تنطلق مرجعيتها وسلطتها ؟ وهل تشمل الديني كما تشمل السياسي ؟ وقد قدم المسلمون في القرنين الأول والثاني تفاسير مختلفة للحرب الداخلية ، وأطراف النزاع في الفتنة الأولى ، فذهب بعضهم إلى أن ذلك كان سبباً رئيسياً في انجرار الأمة إلى الفتن ، والدعاوى السياسية المتطرفة ، والاستعلاء من جانب الدولة ؛ لذلك تبنوا تفسيراً خاصاً لموقع السيّاسي من الديني . وعلى هذه الأرضية اعتبر بعض آخر أن تحقق وعود الله في القرآن يستلزم خلوص الأمة من كل خطأ وذنب وكفر ، لذا سعوا لخلوص الأمة ، ونظّروا له . وقد نظر آخرون بشكل سلبي إلى السياسي ، وإلى الدولة ومؤسساتها ، وكل من جرَّ الأمة إلى الفتن والحروب ، واختلف معهم بهذا التفسير بطبيعة الحال ؛ فالشيعة مثلًا يتبرأون من أعداء حكومة الإمام علي ؛ ويتولونه ، ويتولون أهل بيت النبي ( ص ) وبعض المسلمين لم يكن يتولى علياً ، وإنما يتبع عثمان وأصحابه ؛ لذا سمّوا بالعثمانية . أما المرجئة مثلًا فذهبوا إلى الحياد بشكلٍ أو بآخر بالنسبة لنشوب الفتنة الأولى . قضية الإيمان هذه الأفكار وقضية الجماعة الخالصة المؤمنة / النموذج الصافي للإسلام كانت هاجساً وراء تشكيل الوعي المذهبي حول مسألة الإيمان وتحديدها وتعريفها ، فأصبحت مدار بحث بين الفئات والجماعات المختلفة جغرافياً ومحلياً وطبقياً . ولهذا تنوعت التفاسير لحقيقة الإيمان ؛ بحيث صار لكل فرقة تفسيرها الخاص ؛ فالخوارج لهم تفسيرهم ، وكذا المرجئة ، وغيرهم .