نخبة من الأكاديميين

880

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

راض بفيضان الكل عنه ، ولكن الحق الأول إنما فعله الأول وبالذات أنه يعقل ذاته التي هي لذاتها مبدأ لنظام الخير في الوجود ؛ فهو عاقل لنظام الخير في الوجود ، وأنه كيف ينبغي أن يكون ، لا عقلًا خارجاً عن القوة إلى الفعل ، ولا عقلًا منتقلًا من معقول إلى معقول : فإن ذاته بريئة عما بالقوة من كل وجه على ما أوضحناه قبل ، بل عقلًا واحداً ، ويلزم ما يعقله من نظام الخير في الوجود أن يعقل أنه كيف يمكن ، وكيف يكون أفضل ما يكون أن يحصل وجود الكل على مقتضى معقوله ؛ فإن الحقيقة المعقولة عنده هي بعينها على ما علمت ، علم وقدرة وإرادة " . " نظام العالم " هذا ، أو " نظام الخير في العالم " هذا ، على ما يسميه ابن سينا ، يتكون من قسمين رئيسيين : القسم الأعلى تحكمه أوالية الفيض الذي يتسلسل عبر مراحل منفصلة العناصر ومتباعدة ومتمايزة بوضوح . وهذه الأوالية هي ما يفضي ، في قسمها الأدنى ، إلى حركات الأجسام السماوية . أما القسم الأسفل فيبدأ مع تلك الحركات السماوية الانتقالية لينتهي في المستويات الدنيا لمادة ما تحت فلك القمر . ويتمركز الحل الذي يقدمه ابن سينا لمشكلة الوجوبية في اللقاء بين العالم المنفصل العناصر وبين عالم المتصل . وبذلك تكون نظرية ابن سينا قائمة على مسلمتين : ( 1 ) جميع الأحداث التي تجري تحت فلك القمر هي نتيجة مباشرة لحركات النجوم ، ( 2 ) الأطوار السماوية لا تقاس بالنسبة لبعضها البعض ، أي أن التشكل العام للسماء لا يمكن أبداً أن يحدث بالصورة نفسها مرتين . وبعد أن تسلح ابن سينا بهاتين المسلمتين بات بإمكانه أن يستنتج أن العالم لا يكون بالحالة ذاتها مرتين . إذن هنالك على الدوام تغيرات متناهية في الصغر هي تعبير ، على مستوى تاريخ ما تحت فلك القمر ، عن التغيرات المتناهية في الصغر لوضعيات النجوم بعضها بالنسبة للبعض الآخر . وبهذا نجد أننا عدنا إلى الفارابي الذي كان قد أخضع الله ، خلافاً للكندي ، إلى تواصلية الحركة والزمان . فالأمر هو كذلك أيضاً بالنسبة لابن سينا حيث يعتبر أن بنية التواصلية الطبيعية نفسها هي ما يسمح بالحرية . الفلسفة بعد ابن سينا شكلت تجديدات ابن سينا منعطفاً أساسياً في تاريخ الماورائيات في العالم . فالأمور لم تكن بعده كما كانت قبله على الإطلاق ، لا في العالم الناطق بالعربية ولا في العالم اللاتيني ، حيث أن مشروع وضع كوزمولوجيا نمطية فرض نفسه في الفلسفة . وبذلك ، بات القائلون بالطبيعانية اليونانية ، ومنهم ابن رشد ، يقدمون أنفسهم ، بطريقة يمكن القول بأنها دفاعية ، على أنهم معادون للكوزمولوجيا النمطية . وهنا يكمن مغزى الصراع الكبير الذي خاضه ابن رشد ضد ابن سينا بخصوص البرهنة على المبدأ الأول . فقد قال ابن سينا بوجود برهنة بذاتها ، أي ماورائية بشكل خالص ، على المبدأ الأول ، وبأنها تستدعى اعتبارات نمطية : فالله في هذا الإطار ليس غير الواجب بذاته ؛ وما هو غير الله ليس غير الممكن بذاته الواجب بغيره . أما ابن رشد ، فقد قال بالمقابل : إن جميع الأدلة المزعومة بذاتها على الله هي ، في أحسن الحالات ، أدلة إقناعية : ليس بين الأدلة على الله ما هو برهاني فعلًا غير ذلك الذي يرتكز إلى وجود الحركة . بكلام آخر ، لا وجود ، بالنسبة لابن رشد ، لكوزمولوجيا نمطية ، بل لكوزمولوجيا طبيعية لا أكثر . أما الدليل الوحيد على الله فهو دليل بالآثار . وقد أثر هذا النقاش عميقاً في الفلسفة الأوروبية في