نخبة من الأكاديميين

861

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الذي قدمه لهذه المشكلة بالقول أن المتحرك بين النقطتين " أ " و " ب " الواقعتين على المسار يمر بسلسلة من الطفرات . أي أن المتحرك لا يمر بجميع النقاط الهندسية التي تشكل المسار ، بل ببعضها فقط . ولنوضح على الفور ، من أجل تجنب التشوش : إن أبا الهذيل يعتبر ، شأن النظام ، أن الانطباع بالتواصل الذي يحصل عندنا عند ملاحظة متحرك في الفضاء هو وهم من أوهام الحس ( كان يمكن أن يقال في أيامنا أنه وهم سينمائي ) . لكن الرجلين لا يتكلمان عن الوهم نفسه . فالمتحرك يمر ، في نظر أبي الهذيل ، بجميع نقاط المسار ويقف عندها لبرهة هي من الصغر بحيث لا تلحظ . أما في نظر النظّام ، فإن المتحرك يمر بالمقابل ببعض نقاط المسار ، ولكنها نقاط بالغة القرب من بعضها البعض بحيث لا يمكن تمييز الفواصل بينها . وفي الحالتين ، يظل تواصل الحركة وهماً . ومن البديهي ، إن بالنسبة لأبي الهذيل أو بالنسبة للنظّام أن الحركة تصدر عن الله . فإذا كان المتحرك لا يمر ، وفقاً لقول النظّام ، بجميع النقاط الهندسية الواقعة على المسار ، بل " يقفز " عن بعضها ، يصبح لزاماً علينا أن نفهم ، حتى ولو أن النظّام لم يقل ذلك جهاراً ، بأن الله يلاشي المتحرك عند نقطة معينة في مساره ، ثم يعيد خلقه في نقطة متمايزة من حيث المسافة مع النقطة الأخرى ، وهكذا دواليك حتى وصول المتحرك إلى نهاية مساره . هذه الأطروحة يمكنها ، للوهلة الأولى ، أن تبدو شاذة بالطبع . ومع ذلك ، فإنها ليست غير النتيجة المنطقية لمقدمات منها استحالة وجود اللامتناهي بالفعل . ولكن هل يمكن القول أن غير المقبول هو ، في الحقيقة ، وجود اللامتناهي بالفعل " في " الفضاء ، لأن الحل الذي يقدمه النظام ليس غير القول بما يقتضيه ذلك ؟ ذلكم أن من الضروري أن نميز هنا بين وجود الأشياء الواقعية التي تصمد أمام الزمان ( أو الوجود القوي ) ، كما في حالة الأجسام التي لا يمكنها أن تكون متعددة بلا نهاية ، من جهة ، وبين الوجود الكاذب ( أو الوجود الضعيف ) للنقاط الموجودة في الفضاء . ألا نعود هنا إلى التمييز الأرسطي بين القوة والفعل ؟ الحقيقة أننا نقترب من هذا التمييز بمعنى ما . لكن فروقاً هامة تظل ماثلة ، خاصة لجهة أن النقطة تتحقق في نظر أرسطو على شكل سكون ، في حين أنها توجد ، في نظر النظّام ، بالاستقلال عن الحركة والسكون ، وهذا على وجه الدقة ما يفسر نظرية الطفرة . صفات الله لقد أولى علم الكلام اهتماماً كبيراً ، وهذا أمر بديهي ، مسألة جعل معرفتنا بالله أمراً أكثر اكتمالًا . فالحقيقة أن علماء الكلام يبحرون بين عائقين ( لا ينبغي الاصطدام بهما ) : الأول هو خطر تجريد الله من صفاته ، والثاني هو خطر القول ، عبر المبالغة في التشديد على وجود الصفات ، بوجود كائنات واجبة " إلى جانب " الله . فعلم الكلام الإسلامي يتأرجح باستمرار بين هذين القطبين ، ويميل على الدوام نحو إمكان طريق ثالث يوفق بين التمييز بين الصفات وبين التوحيد الإلهي المطلق . وقد رأينا كيف أن العالم ، بشكله الكلاسيكي ، قد نُظر إليه على أنه شبكة هائلة من التعقيدات التي يحركها الله . وحتى مع الحيز الكبير أو الصغير الذي تركته مختلف المذاهب لحرية الاختيار البشري ، فإن الله يظل الفاعل الرئيسي