نخبة من الأكاديميين

851

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

ترجمتها ، فإن ما جرى ، إذا لم نقل بأنهم اختاروا ذلك ، هو أنهم انطلقوا ، على الأقل ، من فكرة مسبقة ( presuppose ) من المناسب أن نكون على وعي بها : الفلسفة ليست ، أو ليست فقط ، مجالًا عالمياً في البحث ؛ إنها حقل نشاط فكري متصل بمظاهر نوعية في الثقافة اليونانية الكلاسيكية والهللينية والرومانية والبيزنطية في مرحلة تكونها الأولى . ولا بد من أن نوضح ، على الفور ، بأن أي شيء لا ينبغي له أن يفسر هنا على أنه حكم قيمي . إذ ليس المقصود أن نقول بأن الفلسفة لم يكن بإمكانها أن تمارس إلا من قبل إنسانية عليا حددت على أنها الشعب اليوناني ( أو الشعوب الناطقة باليونانية ) ، وليس العكس من ذلك ، بأنها تقتصر على حمل إيديولوجيا ثقافية بين إيديولوجيات أخرى . ينبغي ، أن نتذكر أنه في السنة التي أصدر فيها الإمبراطور المسيحي قسطنطين قراراً بمنع تدريس الفلسفة سنة ( 529 ) - ما كان مستهدفاً بلا شك هو الفلسفة الوثنية - لقد كان مجال البحث هذا عندما عرفه العرب المسلمون قد بات يمتلك اسماً ووجوداً يونانيين منذ أكثر من ألف عام . لذا كان من الطبيعي أن يكون متسماً بعدد من السمات التي لم تكن كلها متجانسة أو حتى متوافقة بالضرورة . من المرجح إذا تتبعنا المصطلح انطلاقاً من بدايات ظهوره أن يكون فيثاغورس هو الأول ، بين الحكماء ما قبل السقراطيين ، الذي عرف نفسه بأنه " فيلسوف " . لذا ، فإنه ليس من غير المهم بالنسبة لموضوع بحثنا أن يكون التقليد الفيثاغوري قد انقسم سريعاً ، منذ تلك اللحظة ، إلى فرعين تم وضع كل منهما في مقابل الآخر منذ العصر القديم ، أحدهما أكثر اهتماماً بقواعد الحياة ، والآخر أكثر اهتماماً بالرياضيات . وهذا الانقسام ظل قائماً طيلة تاريخ الفلسفة اليونانية . إن الفلسقة هي ، في آن معاً ، مجال للتفكير حول العلم ، أي مجال يستمد إلهامه ونموذجه وحتى قسماً من موضوعه من علوم الرياضيات ، ومجال للبحث الأخلاقي عن السعادة الشخصية . هذان التوجهان الكبيران لا يضعان بعض الفلسفات في تعارض مع فلسفات أخرى وحسب ، بل إنهما موجودان في أكثر الأحيان عند مفكر واحد . المثال الأكثر تجسيداً لذلك هو أنه ليس هناك أحد في ذلك الوقت غير أفلاطون دفع إلى أبعد مدى بالجهد الهادف إلى جمع المظهرين كليهما في عقيدة متناغمة واحدة . غير أننا نلحظ بعض أشكال الخروج عن هذا الخط . ففي حين كان كبار مفكري القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد - نذكر منهم بوجه خاص أفلاطون وأرسطو وحتى الرواقي كريزيب - مفرطين في الانتباه إلى البعد الإبستمي والمنطقي للفلسفة التي كرسوا لها الشطر الأساسي من أبحاثهم ، فإن من جاؤوا بعدهم لم يكونوا دائماً بمستواهم . ومع ذلك ، يمكننا أن نطلق مسلمة مفادها أن الرهانات النظرية كانت مفهومة حتى أواسط القرن الثالث بعد الميلاد . وعلى ذلك ، يمكننا أن نعتبر أن آلكسندر الأفروديزي قد أنجز تأسيس نوع من الأرسطية في حدود عام 200 بعد الميلاد ، وأن أفلوطين أنجز تأسيس نوع من الأفلاطونية بعد عدة عقود على ذلك . ولكن ، لماذا شهد منتصف القرن الثالث منعطفاً حقيقياً في تاريخ الفلسفة ؟ وبتعبير أشمل ، في تاريخ الإنسانية ؟ ذلك أن تلك المرحلة هي المرحلة التي تم فيها قلب موازين القوى بين المسيحية والوثنية ، أي المرحلة التي فقدت فيها الوثنية تفوقها لتجد نفسها في موقف الدفاع . ففي مواجهة المسيحية التي كانت تسجل