نخبة من الأكاديميين

849

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الفلسفة الإسلامية بين القدماء والمحدثين مروان راشد إنه لمن غير المعقول أن نتوخى عرض الفلسفة الإسلامية بكاملها في عشرين صفحة . إذ إنه من الأكيد أن موسوعة من عشرين مجلداً لا تكفي لذلك . لذا ارتأيت التركيز على ما أعتبره أساسياً في الإسهام بالمعنى العام الذي قدمته الفلسفة الإسلامية في إغناء تاريخ الفلسفة على المستوى العالمي . ويمكننا أن نطرح المشكلة على الشكل التالي : ما الذي تغير - فعلًا - في الفلسفة بين الإغريق عند نهاية العصر القديم ، وبين الأوروبيين في القرن السابع عشر ؟ ليس المقصود هو التساؤل حول أية أطروحة جديدة ، أو أية إجابة جديدة على مسألة معينة من المسائل القديمة ، التي حدث لها أن ظهرت في هذا الحقل الفلسفي أو ذاك . فالمقصود هو ، بالأحرى : ما الذي تغير - بالذات - في النهج الذي تقدم فيه الفلسفة نفسها بوصفها علماً مستقلًا ؟ الإجابة التي أود تقديمها هنا ، والتي يبدو لي أن صياغتها لم تتم بعد ، هي أن الفلاسفة الإسلاميين هم الأوائل الذين طوروا ، بطريقة منهجية ، فكرة علم كونيات نمطية - كوزمولوجيا - ( cosmologie modale ) . إذ لا وجود ، في التقليد الفلسفي الإغريقي الوثني ، ل - " مبدأ أول " هو خالق على وجه الحقيقة ؛ فالمبدأ الأول الذي تكلم عنه أواخر الأفلاطونيين المحدثين ممن اطلع عليهم الفلاسفة العرب ، بشكل لا بأس به ، قد ألقي به إلى ما وراء الكينونات ، بهدف المحافظة على تعاليه ، إلى درجة بات معها موقعه بالذات كمبدأ ، إشكالياً ، بحيث انتهى إلى الالتحاق ، على مستوى الطرف الآخر ، في السلسلة الخاصة بالكائنات بما هي كائنات ( أي السلسلة الأونطولوجية ) ، بالعدم المحض . أما الفلاسفة العرب ، فإنهم يتفقون ، في المقابل ، مع اللاهوتيين المسيحيين في أواخر العصر القديم ، في طرح مسلمة حول مبدأ أول وخالق واحد . إن الفرق ، بالنسبة لهؤلاء اللاهوتيين ، يأتي من واقع أن الفلاسفة العرب هم ، تحديداً ، فلاسفة ، وبالتالي ، فإن مقاربتهم للمبدأ الأول ، هي تأملية أكثر بكثير ، وأقل دوغماتية بكثير ، مما هو الشأن عند آباء الكنيسة . وبكلام أكثر بساطة ، فإن الفلاسفة العرب هم أكثر قرباً إلى فلاسفة القرن السابع عشر الأوروبيين الذين يعطون ، هم أيضاً ، موقعاً لمبدأ أول هو الله كأساس لنظامهم الفلسفي ، أكثر مما هو الشأن عند اللاهوتيين المسيحيين في العصر القديم . ومن ثم ، هنالك فرق أساسي بين الكوزمولوجيا اليونانية والكوزمولوجيا العربية . فاليونانية تضع