نخبة من الأكاديميين

818

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الكون . وكان البطروجي ( أواخر القرن الثاني عشر ) الممثل الأكثر تعبيراً عن هذا التوجُّه ، الّا أنّ أسسه كانت بشكل شبه حصري فلسفيّة ، وكان يستحيل إجراء الحسابات إستناداً إلى خلاصاته ، أو التحقق منها بالأرصاد المصاغة بالأرقام . وهكذا أدّى هذا النهج إلى مأزقٍ آخر ، وإن كان المسار الفلسفي المواكب له مثيراً للاهتمام . أمّا في الشرق ، فقد كان الجواب ذا طابع " علميٍّ " أوضح ، وهذا ما يمكن تسميته بالمرحلة الثانية من علم الفلك العربي ، حيث جرى البحث عن نماذج هندسية جديدة من أفلاك التدوير والدوائر مختلفة المركز ، مع الاحتفاظ بالأرض كمركز للكون كما في السابق ؛ لكنّ هذه النماذج ليست نماذج بطلميوس . والهدف من كلّ ذلك كان تجديد الطريقة المتّبعة لتحليل حركات الكواكب . مع ذلك ، كان لا بدّ من الانتظار لمدة قرنين لكي يتحقّق هذا الأمر ؛ فقد أُنجِز القسم الأساسي من هذا العمل ضمن الفريق المجتمع حول مرصد مراغة ابتداءً من منتصف القرن الثالث عشر . في مراغة ، التي تقع في شمال غرب إيران الحالية ، غير بعيد عن تركيا ، شُيِد مرصدٌ كبير في النصف الثاني من القرن الثالث عشر ، بالتواصل مع تقليد الأرصاد السابقة في الشرق ، فشكَّل منعطفاً مهمّاً في تاريخ علم الفلك باللغة العربية . أُعِدّت في هذا المرصد مجموعة من الجداول الفلكية هي الزيج الإلخاني ؛ لكنّ الأهمّ من ذلك هو أنّ هذا المرصد وفَّر للعلماء العرب الذين عملوا فيه ، إمكانية إعداد نماذج هندسية أفضل من نماذج بطلميوس لتحليل الحركات السماوية ، وذلك بفضل النوعية العالية للتجهيزات ، وبفضل التنظيم الدقيق للعمل ، وعدد الباحثين ذوي المستوى الرفيع الذين استطاعوا العمل فيه في آن واحد . كان نصير الدين الطوسي ( 1201 - 1274 ) مسؤولًا عن العمل ، في حين كان العُرضي ( المتوفّى في العام 1266 ) مسؤولًا عن تصميم الآلات . وقد موَّل البناء هولاكو خان ( المتوفّى في العام 1265 ) الذي خصص للمرصد موارد هامة من أموال الوقف لتأمين نفقاته . كانت هذه هي المرة الأولى ، على حدّ علمنا ، التي يتمتع فيها مرصد بمثل هذا الامتياز ، وهذا ما يفسر استمرارية العمل فيه حتى بعد وفاة مؤسِّسِه هولاكو ، فالتمويل لم ينقطع فجاة مع وفاة الأمير الراعي ، كما كان يحصل مع المراصد الكبرى السابقة . بدأ بناء المرصد في العام 1259 ، وانتهى على ما يبدو في العام 1263 . كانت مجموعة الأبنية التي تؤلِّف المرصد ، تقع على أرضٍ أبعادها 280 * 220 م ، وكان المرصد يتضمن ، بالإضافة إلى الآلات المختلفة ، مكتبة علمية عظيمة الأهمية ومسبكاً لصنع الأجهزة النحاسية . والآلات التي صمّمها العرضي ، مع إجراء تحسينات على ابعادها ودقّتها ، هي الآلات التي كانت معروفة في ذلك الوقت ( الآلات وفق التقليد الهللينستي ، وسدسية كبرى وفق تقليد مدينة رأي ) ، باستثناء آلة واحدة يبدو أنها ابتُكرت في مرصد مراغة وهي دائرة سِمتيّة كبرى مزودة بمينائين يسمحان ، في آن واحد ، بقياس ارتفاع كوكبين على الأفق . كان برنامج الأرصاد المتواصلة ، كما أراد نصير الدين الطوسي ، معدّاً لمدة ثلاثين عاماً ( هي مدة الدورة النجمية الظاهرة لزحل ، الكوكب الأبعد الذي يمكن رؤيته بالعين المجردة ) ، لكنّها عُدِلت إلى اثنتي عشرة سنة هي مدّة دورة المشتري . وقد نشر الزيج الإلخاني فعلًا بعد هذه الفترة . عمل