نخبة من الأكاديميين
816
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
على الأفق بعين الاعتبار . غير أنّ النيريزي تقدّم قليلًا على الآخرين لأنه ، خلافاً لهم ، أخذ بعين الاعتبار تصحيح اختلاف منظر القمر . أمّا البتّاني ، فقد أخذ بعين الاعتبار ، بعد عدة تصحيحات ، المسافة بين الشمس القمر على خط الاستواء وعلى فلك البروج في آن واحد ، لكنّه لم يحسب حساب ميل فلك البروج على الأفق بشكل كافٍ . وأخيراً اتّخذ حبش الحاسب " قوس انحطاط الشمس تحت الأفق " كعنصر رئيسي ؛ وهذا الوسيط لا يمكن حسابه إلّا استناداً إلى الوسائط الأخرى كلِّها ؛ لذلك تشكِّل هذه القوس أفضل المعايير الأساسيّة . النتيجة : لا يعطي البيروني حلًا خاصّاً به ، بل يتبنّى طريقة حبش الحاسب . وفي ختام هذا الفصل ، يشرح طريقة العثور على الهلال على الأفق بواسطة أنبوب الرصد الذي وصفناه في الفصل السابق . وقد دُرست مسألة حركة الشمس عند البيروني مِن قِبَل ويللي هارتنر وماتيس شرام [ M . Schramm , 1963 W . Hartner ] . ونجد في دراستهما هذه ، جميع مراحل المخطط السابق ، مع الإشارة إلى عدد كبير من أرصاد الشمس وأرصاد البيروني الخاصة في الوقت نفسه ، ونجد دراسة رياضيّة للحركة الظاهرية على دائرة مختلفة المركز ، تُذكِّرُنا بدراسة ثابت بن قرة التي وصفناها سابقاً . وقد قدّم البيروني تحليلًا نقدياً لنتائج المؤلّفين الذين سبقوه ، ثمّ وضّح بشكل نهائي حركة أوج الشمس وأعاد حساب جميع الوسائط ووضع جداول لهذه الحركة . لم يُحدث البيروني ، بعمل من هذا النوع في علم الفلك ، ثورة في النظام الفلكي الشامل الذي تلقاه ، لأنّه بقي مُخلصاً لنظام أفلاك التدوير وللدوائر مختلفة المركز كما حددها بطلميوس . لكنه راجع كل الأمور بالتفصيل ، ودفع بعيداً إلى الأمام ، على سبيل المثال ، حركة ترييض علم الفلك التي بدأها ثابت بن قرة قبله بقرن ونصف من الزمن . ولنا مثال عن هذا الدفع ، تجلّى في تضلّعه في الخوارزميات في حالة الاستكمال التربيعي [ ( Rashed 1991 ) ] . لقد أظهر البيروني إذاً ، حالة علم الفلك في ذلك العصر بدقة ، وبكل مكوناته العلمية ، ذاكراً بشكل دقيق أعمال العلماء الذين سبقوه . إنّ هذا العمل ، إذا أمكن الانتقال في التاريخ ، مماثل للعمل الذي أنجزه بطلميوس في " المجسطي " قبل تسعة قرون ، والذي تمثّل في إعداد دقيق لتقليد علمي بالاستناد إلى جميع الأعمال السابقة وجميع الأدوات الرياضية المتوفرة لعالم الفلك في عصر معيّن ، لكن دون أن يترافق كل ذلك مع ابتكار شامل هام . وهكذا أنجز البيروني بإتقان هذا العرض الشامل الذي توّج المرحلة الأولى لعلم الفلك العربي . وقد حافظ هذا العلم على العديد من العناصر التي اقترحها بطلميوس ، بالرغم من الانتقادات ، العنيفة أحياناً ، الموجهة إلى عمله ، إلى أن جاء ابن الهيثم ، الذي عاصر البيروني وعمل في القاهرة ، فبدأ بكسر هذا الإطار ، إذ وضع ، من جهة ، لائحة بالانتقادات التي وجهها أسلافه العرب إلى نظام بطلميوس ، وأسند استدلاله ، من جهة أخرى ، إلى العلاقة التناحريّة أو علاقة ( الن - زاع ) بين علم الفلك " الفيزيائي " وعلم الفلك " الرياضي " . أما البيروني فقد كانت أعماله ، بشكل حصري تقريباً ، في إطار علم الفلك " الرياضي " . وهذا ما سنعالجه في الفصل اللاحق .