نخبة من الأكاديميين
814
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
1036 م . وبقي لنا من أعماله ، بخاصة ، مؤلّفات مهمّة في علم المثلثات وضعها جزئياً بطلب من البيروني نفسه عندما كان يطرح أسئلة في نقاط معينة . توفي الخُجندي في العام 390 ه - / 1000 م ، وقد عمل كثيراً في مسألة آلات الرصد وألف فيها العديد من الكتب ، وهو الذي أعد السدسية الكبرى في واستخدمها في رأي ، وهي السدسيّة التي وصفناها في الفصل السابق [ البيروني - 1 ، ص 102 101 ] . البيروني عالم من مرتبة استثنائيّة ، وضع حوالي مئة وثمانين مؤلّفاً في جميع العلوم المعروفة في ذلك الوقت ، منها خمسة وثلاثون مؤلّفاً في علم الفلك الصرف ( وقد نُقِلت من بين هذه الكتب الأخيرة ستة كتب فقط ) ، وتتضمن كتبه الأخرى ، عن الهند على سبيل المثال أو عن تسلسل الأحداث ، إشارات عديدة إلى مسائل في علم الفلك . أما مؤلّفه الضخم الشامل في هذا الميدان ، فهو القانون السعودي ، الذي وضعه حوالي العام 426 ه - / 1035 م ، والذي يتضمن أحد عشر جزءاً ، ويغطي 1482 صفحة ، في التحقيق الذي نُشِر له [ حول مُجمل أعمال البيروني ، أنظر ( Boilot 1955 ) ] . لغة البيروني الأم كانت الفارسية ، أما لغة العمل الأساسية فكانت العربية ، وكان يعرف السنسكريتية ، إذ أنّه تعامل بها خلال إقامته الطويلة في الهند ، وقد نَقَلَ العديد من النصوص العلمية من السنسكريتية إلى العربية . لذلك كان على اطّلاع مباشر على جميع مصادر علم الفلك الهندي التي كان يستند إليها باستمرار ، كما كان يعود إلى المصادر اليونانية وإلى أعمال من سبقه باللغة العربية ؛ ويبدو أنّ هؤلاء ( أي من سبقه من الكتّاب بالعربيّة ) لم يكونوا مطلعين الّا على بعض النصوص الهندية أو بعض الوثائق غير الأصلية ، التي توفّرت لهم بعد نقل بعض النصوص السنسكريتية إلى العربيّة في نهاية القرن الثامن ، بينما كانت النصوص العلمية اليونانية أكثر انتشاراً باللغة العربية . وهكذا كان بإمكان البيروني أن يتناول مباشرة مجمل الإرث الفلكي المتوفر في عصره من العالم اليوناني والعالم الهندي والعالم العربي . وقد سعى في عمله كله إلى البحث بدقة عن خلاصة شاملة له . وسنتوقف فيما يلي عند بعض النقاط المتعلقة بطريقة عمله ، دون أن نسعى إلى تقديم مجمل أعماله الفلكية ، نظراً للصعوبة الاستثنائية لهذه المهمّة . في الجزء الأوّل من كتابه " القانون السعودي " ، يعطي البيروني بعض المبادئ العامة في علم الفلك ويعرض قواعد علم التواريخ في الثقافات المختلفة ، بما فيها الثقافة الصينية ( وهذا أمر فريد ) . في الفصل الثاني ، يناقش موقع السماوات بالنسبة إلى الأرض . فيصل إلى بحث فرضية دوران الأرض حول نفسها ليفسر الحركة النهارية [ البيروني - 3 ، ص 53 42 ] . وقال أنّ هذه الفرضية قد أيّدها أرياباهاتا وتلامذته في الهند ، لكنّها متعارضة مع إحدى حجج بطلميوس التي تقول إنّ الأجسام في حالة السقوط الحر لا تقع عمودياً ، إذا كانت الأرض تملك حركة دوران . أكّد البيروني عندئذ أنّ " عالِماً كبيراً " ( لم يذكر اسمه ) يعتبر أنّ حجة بطلميوس غير صحيحة ، لأنّ كل جسم أرضي يتحرك بتأثير حركة دوران الأرض ، على امتداد الخط العمودي الذي على مساره يقع الجسم . يعود البيروني ، بعد عرض هذه الحجة التي تبدو له متماسكة ، إلى الموضوع لينكبّ على دراسة مسألة الحركة الأفقية ،