نخبة من الأكاديميين

781

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الغنى ، بتطور علم الفلك كعلم صحيح . لكنّ هذا التقليد الهندي حافظ على تأثير غير قليل في تأليف الجداول الفلكية في الغرب الإسلامي ( الأندلس والمغرب ) . [ E . S . Kennedy King ( 1982 ) ] . المصادر اليونانية لعلم الفلك العربي . هذه المصادر على نوعَين : علم فلك " فيزيائي " ، بالمعنى القديم للكلمة ، وعلم فلك " رياضي " . يهدف علم الفلك " الفيزيائي " للبحث عن تمثيلٍ مادي شامل للكون ، إنطلاقاً من تفكيرٍ له طابع نوعي بحت . يعود ذلك إلى تأثير أرسطو ، الذي كان راجحاً في هذا الميدان ؛ فلقد كان لأرسطو تنظيمه المتماسك للعالَم ، المؤلَّف ( حسب هذا التنظيم ) من كرات متماسّة متحدة المركز ، متدرجة انطلاقاً من مركزها المشترك ، وهو الأرض الثابتة في هذه النقطة . أوّل كرة سماوية تعود للقمر ، وعالم ما تحت القمر هو عالم النشوء والفساد ، أمّا عالم ما فوق القمر فهو عالم الثبات والحركة الدائرية المنتظمة ، وهو الوحيد الذي باستطاعته التكيّف مع كمال طبيعة الأجسام السماوية ؛ وكل كوكب يملك كرته الخاصة التي تحركه ، وصولًا إلى كرة النجوم الثابتة التي تسيّج الكون . يهدف علم الفلك " الرياضي " إلى البحث عن تصوير هندسي للكون ، بالاستناد إلى أرصادٍ دقيقة مصاغة بأرقام ، دون الاهتمام بمسألة انسجامه مع تماسك العالَم ذي الطابع " الفيزيائي " . ولتحقيق ذلك ينبغي إيجاد نماذج هندسية يمكن صياغتها بوسائط ، قادرة على تحليل الظواهر السماوية المقاسة ، وعلى حساب مواقع الكواكب في لحظة معينة وعلى وضع جداول لحركاتها . لقد بُني تاريخ علم الفلك القديم جزئياً على التجاذب بين هاتين المقارَبتين للعلم الواحد ، المقاربة الفيزيائيّة والمقاربة الرياضيّة . تطور ميدان علم الفلك العلمي في إطار علم الفلك الهللينستي ، وبخاصة انطلاقاً من إبَرخس ( حوالي العام 150 قبل الميلاد ) الذي استعاد أعمال أبولونيوس ، الذي سبقه بنصف قرن من الزمن . وأتت أعمال بطلميوس ( حوالي 150 بعد الميلاد ) لتتوج علم الفلك المكتوب باللغة اليونانية . بطلميوس هو العالم الذي كانت مؤلّفاته الأكثر عرضة للدراسة وإعادة التناول والشرح والنقد على يد علماء الفلك اللاحقين حتى القرن السابع عشر ؛ وأعماله الأربعة في علم الفلك ، وفق الترتيب الزمني لتأليفها ، هي : " المجسطي " ، و " في اقتصاص أصول حركات الكواكب " ، و " في ظهور الكواكب الثابتة " و " زيج بطلميوس " . الّا أنّ الكتابين الأوّلين هما الأكثر أهمّية . يعتبر " المجسطي " ، ( أو " العمل الرياضي الكبير " ) الذي وصلنا بلغته الأصلية ، ( اليونانية ) وفي عدة ترجمات عربية ، المرجع النموذجي الذي لعب في علم الفلك الدور نفسه الذي لعبه كتاب " الأصول " لإقليدس في الرياضيات [ Ptolomee - 1 ] . نذكِّر ببساطة أنّ هذا العمل ضخم للغاية ، وأنّه يتألف من ثلاثة عشر كتاباً . وقد عرض بطلميوس فيه أعمال سابقيه ، معدِّلًا فيها وفق أرصاده الخاصة ، مهذِّباً النماذج الهندسية القديمة ومبتكِراً نماذج أخرى منها . إنّ كلمة الرياضيات لم تأتِ صدفة في عنوان العمل ، لأنّ بطلميوس لا يشير في مؤلّفة إلى الوضع " الفيزيائي " للكون الّا لماماً ، ولو أنّه أخذه ضمنياً