نخبة من الأكاديميين
773
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الدراسة المفصلة لهذه الأجهزة مفيدة ( راجع الشكلين 4 و 5 الواردين أعلاه ) . يبدو أن خالد المرورّوذي كان أوّل عالم فلك ضم دائرة تهديف مثقوبة إلى نظام التهديف لربعية جدارية بقياسات كبيرة ( وضع البتاني اثنتين منها ، غير أن ربعيته كانت أصغر ) . وهناك حالتان ممكنتان ؛ عند خالد كانت دائرة التهديف السفلى هي المثقوبة ، لكنّ الوضع كان عكس ذلك في الصرحين الكبيرين اللذين شيدهما القوهي والخُجندي ، حيث الفتحة المثقوبة في السقف تحل محل دائرة التهديف العليا . سنرى أن هذه الاختلافات لها تأثير كبير على دقة الأرصاد . كانت دائرة التهديف السفلى المثقوبة عند خالد تستخدم لكي " ترى " الهدفة المركزية للربعية والشمس من خلال رصفهما على خط التهديف نفسه ، مما يشكل خطراً على شبكية الراصد . ويحق لنا كذلك الافتراض أن جهاز التهديف كان يسمح بحجب قرص الشمس وراء الهدفة حالما ينتظم التهديف ، وذلك من أجل حماية عيني عالم الفلك تلقائياً . وقد يكون استخدام شعاع كبير للغاية في الربعية هو ما أدى إلى ثقب دائرة التهديف هذه . فلم يعد بالإمكان ، على امتداد خمسة أمتار ، تَبَيُّنُ الظِلِّ المسقط للهدفة المركزية ، كما كان ذلك يحصل على آلة بطلميوس التي استخدمت كنموذج . يسمح ثقب دائرة التهديف هذه ، إذاً ، برصد الشمس بالرؤية المباشرة وذلك من خلال نقل النظر من جانب إلى آخر ، لكن بشرط احترام المتطلبات الخاصة بالآلة والتي وردت أعلاه . في المراصد الكبرى ؛ يكون نظام التشغيل مختلفاً تماماً ؛ فالآلات فيها تملك عضاضة افتراضية ( غير مادية ) طويلة للغاية داخل مكان مغلق . وتلعب الكوة دور دائرة التهديف العليا ، لكنّ الفتحة هي أكبر بالمقارنة مع الحالة السابقة ، وذلك بهدف السماح بدخول ضوءٍ كافٍ . لم يعد عالم الفلك يرصد الشمس مباشرة ، بل بقعة ضوء تسقط على الأرض المقسمة ، التي تلعب دور القوس المرقمة بالنسبة إلى الآلة . نجد هنا تركيباً يمكن مقارنته بغرفة سوداء ضخمة ، وبقعة الضوء التي تسقط على الأرض ليست سوى صورة الشمس . ويرتبط مدى تشوّش محيطها بنسبة الأبعاد الزاويَّة بين الفتحة وقرص الشمس . من أجل رصد البقعة المسقطة على الأرض في ظروف جيّدة ، ينبغي توفّر إضاءة قوية وتباين ضوئي كافيين . يتطلب هذا الأمر إعطاء قياسات ملائمة للوسائط المختلفة ؛ فيجب أن تكون الفتحة كبيرة بشكل كافٍ لتأمين الإضاءة القوية ، لكن بأقل قدرٍ ممكن للحد من تشوش المحيط . ومن جهة أخرى ، تؤدي إطالة العضاضة إلى تكبير البقعة الضوئية ، لكن أيضاً إلى تخفيف ضيائيتها ، هذا العامل هو الذي دفع العلماء على الأرجح إلى وضع الآلات الضخمة ( النصبيّة ) في أماكن مغلقة ، لأنّ هذا الأمر يسمح بتأمين ما يكفي من التباين الضوئي لكي تكون البقعة الضوئية مرئية بشكل جيد على سلَّم القياس ، مع الاحتفاظ بنقاء محيط بقعة الضوء ، هذا النقاء الذي لا يمكن الحصول عليه الّا من خلال فتحة صغيرة البعد ، وبالتالي ذات ضوء خفيف . لذلك يمثل المكان المغلق التسوية الفضلى لضبط جميع هذه العوامل ذات التأثيرات المتناقضة .