نخبة من الأكاديميين

740

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

في النظام الجديد الذي أسّسه محمّد علي ، أخذت الدولة المصريّة على عاتقها مهمّات جديدة في ميادين لم تكن تتدخّل فيها سوى من بعيد ؛ من هذه الميادين الصناعة ، والصحّة العامّة ، والزراعة والأشغال العامّة . ولأنّ هذه المهمّات تتطلّب مهارات جديدة ، مبنيّة على معارف علميّة وتقنيّة لم تكن متوفّرة وقتئذ على ضفاف النيل ، استحضر الباشا عدداً مهمّاً من الخبراء الأوروبيين ، كما عرف كيف يستفيد من الذين كانوا يأتون عارضين خدماتهم ، مثل أتباع سان سيمون . وبموازاة إعادة تنظيم الجيش ، أقام ، بدءاً من أواخر السنوات 1810 ، معامل حديثة لغزل القطن ونسجه ، وأطلق مخطّطاً ضخماً لإعادة بناء الأنظمة المائيّة . وقد أرسل أكثر من مائة طالب مصري للتعلّم في أوروبا وخاصّة في فرنسا ، تابع بعضهم الدروس في مدرسة ال - وليتِكنيك وفي كليّة الطب في باريس . أخيراً ، وبدءاً من أواخر السنوات 1820 ، أسّس مدارس عُليا في مصر نفسها ، هي : مدرسة الطب والصيدلة ، مدرسة المهندسين ، مدرسة الفنون والمهن ، مدرسة الطب البيطري ، مدرسة الزراعة ، المدرسة البحريّة ، مدرسة المدفعيّة ، مدرسة الأركان ، إلخ . وفي العام 1835 ، وُلِدت الإدارة التي سُمّيَت ب - " ديوان المدارس " ، والتي حرّرت المدارس المدنيّة من وصاية الجيش . وبطبيعة الحال ، استفادت هذه المؤسّسات الجديدة ، إلى حدٍّ ما ، من التجربة التركيّة السابقة . ففي النصف الثاني من السنوات 1820 ، أعادت مطبعة بولاق نشر رسائل حسين رفقي ، وهذا الأمر بدا مفيداً في وقت كان ما زال معظم الضبّاط المحيطين بمحمّد علي من الناطقين بالتركيّة . ولكن السياسة المتّبعة في إدخال الطلّاب إلى هذه المدارس أخذت تتوجّه ، بكثافة متنامية ، صوب المصريين من أصول غير ناطقة بالتركيّة « 1 » ، حتى في المدارس الحربيّة ؛ كما أنّ المحتويات العلميّة للمناهج أخذت تتطوّر وتصبح أكثر طموحاً ؛ وقد أدّى هذان العاملان إلى خفض تأثير التجربة التركيّة تدريجيّاً . فقد كانت إعادة طباعة كتاب إسحق أفندي خلال السنوات 1840 ، دون أدنى شك ، أقل تأثيراً من نصوص حسين رفقي « 2 » . ولكنّ التجربة المصريّة ، لم تتمكّن في الواقع من الاستفادة من التجربة التركيّة السابقة إلّا بوجود رجال ذوي خبرة مثل إبراهيم أدهم ، الذي توصّل لأن يُصبح المدير النافذ ل - " ديوان المدارس " . إلّا أنّ الدور المحَدِّد في عمليّة نقل العلوم عاد إلى بعض الخبراء الفرنسيين الذين توصّلوا ، من خلال مكوثهم عشرات السنين في مصر ، إلى صياغة مناهج المدارس العليا وفقاً لنظراتهم الخاصّة ، وإلى تنظيم نقل العلوم الأوروبيّة في تلك المرحلة . وفي هذا الصدد برزت بشكل خاصّ مدرستان هما مدرسة الطب والصيدلة التي أسّسها عام 1827 الطبيب المارسيلي أنطوان - برثيليمي كلوت ( ( Antoine - Barthelemy Clot ) ( 1793 - 1868 ،

--> ( 1 ) - أنظر كروزيه ، Crozet , " Langue scientifique et fait national " , pp . 263 - 264 . ( 2 ) - إنّ الفروق اللغويّة بين نص إسحق والترجمات المحقّقة وقتئذ مباشرة من الفرنسيّة إلى العربيّة ، ترمي إلى الإيحاء بذلك ( أنظر كروزيه ، Crozet , " Les mutations de la langue ecrite " , pp . 196 - 197 ) .