نخبة من الأكاديميين
55
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
المواطنون في ما بعد ما كانوا قد قبلوه بدافع الخوف والإرهاب ، حاولوا الهرب إلى الجبال حيث خاطروا بأنفسهم بمواجهة الجوع وأنواع مختلفة من الموت . . . » ثم تعود المؤرخة إلى لهجتها الواقعية ، فيذكر المؤلف أن هناك حكامًا مسلمين صالحين مثلما يوجد حكام طالحون . كما أن هناك حكاماً مسيحيين صالحين وآخرين طالحين . وتتحدث المؤرخة عن معركة بواتييه أو بلاط الشهداء ، التي حدثت سنة 115 ه - / 732 م بين قوات عبد الرحمن الغافقي وقوات شارل مارتل ، حاكم الفرنجة وجد الإمبراطور الشهير شارلمان . فلقيت القوات الإسلامية هزيمة فادحة أمام قوات الفرنجة . وقد سمع عن هذه المعركة الراهب الإنجليزى بيديه Bede القابع في ديره البعيد في نورثمبريا ، فكتب : « . . . إن السراكنة ( المسلمين ) الذين كانوا قد خربوا بلاد الغال قد لقوا جزاءهم عقابًا على غدرهم . . . » . ولكن " مؤلف مؤرخة 754 م " ، الذي كتب بعد عشرين سنة تقريبًا من تلك الأحداث ذكر ما يوحي بأنه كان على علم ومعرفة جيدة بالأحداث . وربما يكون قد استقى مادة روايته من الجنود المسلمين الذين نجوا من الحملة وعادوا إلى قرطبة . وتقدم هذه المؤرخة تفصيلات مفيدة للغاية ، ولكنها لا تحمل أي شعور بالانتصار المسيحي . لكنها أحداثاً تاريخية تشي بأن مؤلفها كان عارفًا بأحداث المشرق الإسلامي أيضاً مثلما كان يعرف الأحداث الجارية في الأندلس . لقد عاش كاتب " مؤرخة سنة 754 م " وعمل في عالم كانت التفاعلات فيه بين المسلمين والمسيحيين يومية وفعلية ، ومن الواضح أنه كان مرتبطًا على نحو ما بدوائر الحكم الإسلامي في قرطبة محافظًا على هويته المسيحية . وفي القرن الثامن الميلادي كانت علاقة أوروبا بالمسلمين في أدنى مستوياتها بسبب « البعد » و « الجهل » . فلم يكن هناك ما يعين الأوروبيين على معرفة الإسلام أو المسلمين سواء في تراثهم القديم ، أو في ديانتهم الجديدة . ولم يكن جوار المسلمين في الأندلس يعني لهم شيئًا في هذا الموقف . فقد ظل البعد « المعنوي » ، والبعد « اللغوي » قائماً على الرغم من الجوار الجغرافي ، كما بقي « الجهل » مطبقًا يعززه الخوف ، والحسد ، والعداء ضد هذا الجار « المختلف » . وربما لم يكن هناك مكان في أوروبا أبعد عن معارك الفتوح الإسلامية من إنكلترا ؛ وتشهد على ذلك قصة سانت ويلليبالد St . Willibald الذي سافر في رحلة حج قرب منتصف القرن الثامن الميلادي ، وعندما وصل إلى بلاد الشام تم القبض عليه هو ورفاقه ، ولم يعرف المسلمون أين بلادهم حينما قال لهم أولئك الحجاج إنهم من انكلترا التي لم يكن العرب قد سمعوا بها أو عرفوا موقعها على خارطة الدنيا . وظنوهم من الجواسيس . وتم إطلاق سراحهم بفضل إسباني كان يعمل في بلاط الخليفة بدمشق . في هذه القصة نوع من التأكيد على بعد إنكلترا عن عالم البحر المتوسط الذي سيطر عليه العرب وهو ما يصدق أيضًا على أصقاع الشمال الأوروبي البعيدة عن البحر المتوسط ، مثل شبه جزيرة اسكندينافيا التي تضم السويد والنرويج والدانمرك . كان وجود الإسلام يمثل أكبر مشكلة واجهت العالم الأوروبي في العصور الوسطى ، وقد تجلت هذه