نخبة من الأكاديميين
542
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
واضحٍ عن ترجمة الكتابات حول المرايا المحرقة وعلم المناظر ؛ وتتميّز أيضاً عن ترجمة " أصول " أقليدس وترجمة " المجسطي " لبطلميوس . يبقى السؤال حول أسباب هذه الترجمة ، والدواعي التي دفعت المترجِم إلى خياره . فعند معرفة هذه الأسباب ، قد نستطيع أن نفهم بشكل أفضل انتقال هذا الجزء من الإرث الإغريقي . للإجابة على هذا السؤال ، يُستحسن أن نتفحّص مصير هذه الترجمة . فقد بدأت الأبحاث الأولى بالعربيّة في التحليل غير المحدّد ( الذي ندعوه اليوم بالتحليل الديوفنطسي ) ، بعد الخوارزمي مباشرة ، على ما يبدو . وقد سبق وأشرنا إلى أنّ الخوارزمي تطرّق ، في الجزء الأخير من كتابه في الجبر ، إلى بعض المسائل غير المحدّدة . ولكن ، لا يوجد ما يدلّ على أنّه اهتمّ بالمعادلات غير المحدّدة ، لذاتها ؛ وعلى كلّ حال ، فإنّ التحليل غير المحدّد لا يظهر عنده كموضوع " بذاته " . ولقد احتلّ هذا التحليل مكاناً بارزاً ، لاحقاً ، في الكتاب الذي ألّفه أبو كامل ، حوالي العام 880 م . إنّ مستوى هذا الكتاب « 1 » ، وذكره لرياضييّن عملوا في هذا المجال منذ الخوارزمي ( ما زالت كتاباتهم مفقودة إلى اليوم ) ، ورجوعه ، إلى مصطلحاتهم الخاصّة ، هي أمور لا تدع مجالًا للشك في أنّ أبا كامل ، لم يكن الأوّل ولا الوحيد من خلفاء الخوارزمي ، الذين نشطوا في مجال المعادلات غير المحدّدة . فالوسط الذي من شأنه الاهتمام بِمؤلَّف " علم الحساب " لديوفنطس ، تشكّل إذاً على امتداد نصف قرن . ومن جهة أخرى ، فإنّ هذا المؤلَّف المقروء على ضوء علم الجبر ، الجديد وهذه بالتحديد هي قراءة ابن لوقا - ، وجد مكانه على الفور ، ضمن الأعمال التي كانت جارية في ذلك الوقت في التحليل غير المحدّد . بل أنّ هذه القراءة الجبريّة ذهبت إلى أبعد من ذلك ، إذ أنّها مَدّت هذا الفصل * « 2 » بدفع حقيقي يُطوّره ؛ وقد أُطلِق على هذا الفصل لاحِقاً اسمٌ خاصّ هو : " في الاستقراء " . لذا نرى أيضاً ، أنّ تأثير " حساب " ديوفنطس على علماء الجبر العرب ، لم يكن من باب التجديد بقدر ما كان من باب التوسّع * « 3 » * . 3 . الترجمة الموجَّهة بالبحث : المشروع " أبولونيوس " . قمنا حتّى الآن بتفحص نوعين من الترجمة : الترجمة المرافقة للبحث وفي حقل البحث ذاته ، والترجمة التي لحقت بالبحث ، على مسافة زمنيّة ما ، وانتهت إلى دمج المؤلَّف المترجَم في تقليد مختلف عن مجاله الأساسيّ . ولقد رأينا ثلاثة أساليب في الترجمة : ترجمة المترجِم الهاوي ، إن صحّ القول ، وترجمة المحترِف وترجمة المترجِم العالِم ؛ والأسلوب الأخير أخذ يسود أكثر فأكثر مع تقدّم القرن . إلّا أنّ هذين النوعين وهذه الأساليب ليست الوحيدة ؛ فهناك الترجمة التي لم يكن دافِعَها نشاطٌ واحدٌ في البحث إنّما مجموعةٌ من النشاطات البحثيّة المتنوّعة ، وبعضها لا ينتمي تماماً إلى مجال المؤلَّف المترجَم . في هذه الحالة ، كان المؤلَّف يُتَرجَم لمتابعة البحث في العِلم الذي ينتمي إليه هذا المؤلَّف ، وأيضاً البحث في علوم أخرى سبق وتشكّلت أو هي قيد التشكُّل . وسنجد نموذجاً مثاليّاً لهذه المسيرة في ترجمة " مخروطات " أبولونيوس . نُذَكِّر بأنّ دراسة القطوع المخروطيّة تُمثِّل الجزء المتقدّم من البحث الهندسي الهيلليني . واعتُبِرت " مخروطات " أبولونيوس المؤلّف الرياضي الأصعب ، الموروث من الحضارات القديمة . هذا المؤلَّف يضمّ
--> ( 1 ) ر . راشد ، R . Rashed : " Analyse combinatoire , analyse numerique , analyse diophantienne et theorie des nombres " . ( 2 ) * المقصود فصل التحليل غير المحدَّد ، من فصول علم الجبر ( المترجِم ) . ( 3 ) * * في المعرفة والبحث ( المترجِم ) .