نخبة من الأكاديميين

537

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

البصري « 1 » ، مع بعض التعديلات . ونقاش الكندي لهذا الموضوع ، له على الأقل ، فضل الدلالة على أنّه كان مطّلعاً على نظريّات أسلافه في الرؤية . أمّا في الجزء الأخير من De Aspectibus ، فيدرس ظاهرة الانعكاس ويُقِيم المساواة بين الزاوية المؤلّفة من الشعاع الساقط ومن العمود على المرآة عند نقطة السقوط ، وبين الزاوية المؤلّفة من الشعاع المنعكس ومن هذا العمود . وبرهانه هذا ليس هندسيّاً فقط ، إنّما أيضاً تجريبيّ . وكان هذا " التحقّق التجريبي " يجري بلغة تقليديّة نعاين آثاراً منها في مقدّمة " المناظر " المنسوبة إلى ثيون ، وهي اللغة التي أعاد ابن الهيثم النظر فيها بعمق في بداية القرن الحادي عشر . القصد من وراء هذا التذكير المقتضب والسريع بمحتوى كتاب De Aspectibus هو إظهار نمط البحث في المناظر في منتصف القرن التاسع ، وفي الوقت نفسه ، إظهار المسافة التي تفصِله عن علم المناظر الأقليدي بالمعنى الحصري ، والتي شكّلت خلفيّة تلقّي علم المناظر . فما أن أنهى الكندي صياغة كتابه De Aspectibus ، حتى كتب شرحه النقدي ل - " مناظر " أقليدس . فالتسلسل الزمني لكتابات الكندي في المناظر واضح ، إذ أنّ شرحه النقدي ل - " مناظر " أقليدس تلا إسهامه الخاص في هذا المجال . هذا الترتيب يفسّر ، ولو جزئيّاً ، المعنى الذي يرتديه الشرح النقدي : يقوم الكندي بفحص تحديدات أقليدس وقضاياه ، الواحدة تلو الأخرى ، على ضوء نتائج أبحاثه الخاصّة ( أي أبحاث الكندي ) ؛ ويُدرج انتقادات سبق ووجّهها إلى أقليدس خلال إعداده كتابه ويصوِّب ما بدا له غير صحيح ، ويقترِح براهين أخرى تبدو له أفضل ، ويحاول أن يكشف ، على قدر ما يستطيع ، الأفكار الغامِضة أو المستترة . تشكِّل أعمال الكندي في المناظر ، كما أعماله في المرايا المحرقة ، حالة مثاليّة من هذا التلازم بين ترجمة الإرث الإغريقي وبين البحث . وهي ، إضافة إلى ذلك ، لا تدلّ على استحالة إعادة رسم التقليد المفهومي لكتاب " المناظر " فحسب ، إنّما أيضاً على استحالة رسم التقليد النَصّي لهذا المؤلّف ، دون دراسة دقيقة لصِيَغه العربيّة . وقد شهد القرن التاسع أمثلة على ذلك غير مثل الكندي . فقد اهتمّ قسطا بن لوقا ، وهو أحد مساعديه وزملائه ، بعلم المناظر وعلم انعكاس الضوء . وقد وضع بدوره ، إنّما لاحقاً ، حوالي سبعينيّات ذلك القرن ، كتاباً بعنوان " كتاب في علل ما يعرض في المرايا من اختلاف المناظر " « 2 » ، هو بحث في علم انعكاس الضوء . ويدلّ تفحّص هذا البحث على أنّ ابن لوقا كان على علم ب - " مناظر " أقليدس ، ولكن أيضاً ب - " علم انعكاس الضوء " المنسوب إلى هذا الأخير . ويبدو أنّ ابن لوقا ، استخدم القضيّة الأولى من كتاب " علم انعكاس الضوء " ، في الفصل العاشر من كتابه ؛ وكذلك في الفصل الثاني والعشرين منه ، حيث يمكن التعرّف على آثار للقضايا 7 و 16 و 19 من ذلك الكتاب نفسه . في الفصل الذي تلاه ، نرصد القضيّة 21 من كتاب " علم انعكاس الضوء " ، وفي الفصل الثامن والعشرين يستخدم ابن لوقا القضيّة 5 من ذلك الكتاب المنسوب إلى أقليدس . هذا التقارب ، وإن لم يُثبّت أنّ الصيغة العربيّة من " علم انعكاس الضوء " كانت بحوزة ابن لوقا ، فإنّه يوحي بشدّة بأنّ هذا العالِم استطاع الوصول إلى مصدر ، مجهول حتى الساعة ، أُدرِجت فيه بعض قضايا هذا الكتاب .

--> ( 1 ) من العين ( المترجِم ) . ( 2 ) ر . راشد : LOptique et la Catoptrique dal - Kind گ , Appendice II ، " علم المناظر وعلم انعكاس الضوء ( أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكِندي ) " ، المذكور سابقاً ، الملحق الثاني .