نخبة من الأكاديميين
53
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
فهم الإسلام بصورة كاملة . وبالتالي فإن مواقفهم والأشكال التي كانوا يعبرون بها عن آرائهم ، تمثل نماذج مثيرة عن العلاقات الإسلامية المسيحية في زمانهم . ومن ناحية أخرى ، فإن المسيحيين الذين بقوا تحت الحكم البيزنطي كانوا يحملون في أذهانهم صورة عدائية تمامًا للمسلمين ، ولا سيما في الأوساط الكنسية . فهناك وثيقة عرضت على المجمع المسكوني السابع الذي انعقد بالقسطنطينية سنة 787 م تشير إلى مدى عداوة الكنيسة البيزنطية للمسلمين . فهذه الوثيقة تتحدث عن موضوع تحريم الصور والتماثيل ( اللا أيقونية ) وتتناول مدى التأثير الإسلامي في هذه المشكلة التي شغلت حيزًا مهمًا من تاريخ الدولة البيزنطية والغرب الأوروبي على السواء ، وتصف الخليفة الأموي « يزيد بن عبد الملك » بأنه رجل متهور غير متزن ، وتتهمه باستخدام أحد السحرة اليهود لنشر تحريم الصور والتماثيل في أقاليم الدولة البيزنطية ، كما تتحدث الوثيقة نفسها عن العرب واليهود فتصفهم بأنهم الملاعين الكفرة . أما المسيحيون في الغرب الأوروبي فقد كان موقفهم مختلفًا بشكل جذري في تلك الفترة المبكرة . كان الإسلام بالنسبة إليهم شيئًا بعيدًا . لقد ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية في الوقت الذي كان الإنكليز على وثنيتهم بينما يحاول المبشرون المسيحيون تنصيرهم ؛ ولكن الفروق بين الحالتين كانت جسيمة ومذهلة . وتتمثل أوضح هذه الفروق في أن العرب قد حملوا الإسلام لينشروه بين حضارات عريقة ، وواعية ، ولها آدابها المكتوبة ، بل ولها دياناتها ( ومنها المسيحية واليهودية بطبيعة الحال ) ؛ ولكن المبشرين الذين جاءوا بالمسيحية إلى أقصى الغرب والشمال الأوروبي حملوها إلى مجتمع أمي كان في حالة تلقٍ واستقبال ، ولم يكن قادرًا على العطاء في مجال التطور الفكري . لقد كان الجزء اللاتيني من عالم البحر المتوسط بقايا شاحبة من التراث الكلاسيكي ، في حين كانت المناطق التي ضمها الإسلام تحت رايته وتضم الشعوب الناطقة بالفارسية ، واليونانية والسريانية ، أرقى ثقافة ، وأكثر ( تقدمية ) داخل مناطق نفوذها المباشر ، كما تسربت التأثيرات الصينية والهندية إلى عالم الإسلام في فترات لاحقة . ويتمثل الفرق الثاني في أن لكل من الديانتين الإسلامية والمسيحية « كتاب » يقدسه أتباع كل منهما ؛ فالمسيحيون لديهم الكتاب المقدس بقسميه ؛ العهد القديم والعهد الجديد ، والمسلمون لديهم القرآن الكريم ؛ لكن الفارق هنا يتمثل في أن القرآن الكريم جاء ومعه لغة جديدة فرضها على العالم القديم ، في حين كانت الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية تحمل لغة الغرب الأوروبي القديم ( أي اللاتينية ) إلى أمم جديدة لم تكن تعرفها ، وهي الشعوب الجرمانية التي اجتاحت أوروبا واستوطنتها في ما بين القرن الخامس والقرن السابع الميلاديين . وربما كان هذا هو السبب في نغمة « البعد » التي تميز كتابات الأوروبيين الغربيين عن المسلمين في العصور الوسطى المبكرة . ولكن الموقف كان مختلفًا بطبيعة الحال ، عند الحديث عن إسبانيا . ففي إسبانيا ربط بعض الكتاب المسيحيين بين ظهور الإسلام وقرب ظهور المسيح الدجال ؛ على الرغم من أن حال المسيحيين تحت الحكم الإسلامي لم تكن شديدة الوطأة إذا ما قورنت بما كانت عليه