نخبة من الأكاديميين

523

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

هذه الصورة التي اتخذها نقل المعرفة والتي اتخذتها من ثمّ للترجمة ، ولّدت مذهباً نصادفه في عدد من النشاطات المختلفة ، وخاصة في تلك التي يقوم بها مؤلِّفو كُتُب الطبقات المحدَثين « 1 » . وإذا ما سلّمنا بما يدعو إليه دعاة هذا المذهب ، ستبدو الترجمة كمرحلة أولى من " نظام " من ثلاث مراحل متتابعة منطقيّاً وتاريخيّاً : الترجمة لاكتساب العلوم والفلسفة اليونانيّة ، ثمّ استيعاب المكتسبات في المرحلة الثانية ، قبل الانتقال إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة الإنتاج الخلّاق . هذا المذهب ، الذي أقلّ ما يقال فيه أنّه ساذج ، هو من الطينة عينها للتصوّر سابق الذكر ، ولا يرى في الترجمة ، إن صحّ القول ، سوى رغبة في التأقلم الثقافي . لكنّ هذا المذهب ، كما ذلك التصوّر الذي أسّس له ، يتعثّران أمام وقائع عديدة ، لن نذكر منها هنا سوى واقعتين اثنتين . الواقعة الأولى هي تلازم الترجمة والتجديد ، وهو ما لم يُلفَتُ الانتباه إليه بما فيه الكفاية . هذا التلازم ، الذي نجده ، على سبيل المثال لا الحصر ، في البصريّات وانعكاس الضوء مع الكندي ، وفي هندسة المخروطيّات مع الحسن بن موسى وتلميذه ثابت بن قرّة ( المتوفى عام 901 م ) ، وفي نظريّة الأعداد مع هذا الأخير . . . إنّ فهم هذا التلازم يطرح السؤال الذي وقع في النسيان ، حول العلاقات الحميمة بين الترجمة والبحث ، وحول شكل الترجمة نفسه وحول جمهورها ، كما سنرى . 2 . النقل الثقافي ، النقل العالِم . تتعلّق الواقعة الثانية بالفرضيّة ، المسلَّم بها والتي نادراً ما نوقشت ، والقائلة باستمراريّة وطيدة الصلة ، بين البحث العلمي والفلسفي في العصور القديمة والعصور القديمة المتأخّرة ، وبين نظيره الذي تطوّر بالعربيّة . غير أنّ الاستمراريّة هذه ، لم توجد فعليّاً سوى في مواضيع أو مواقع معزولة ؛ وهي لا تبدو واهية فحسب ، إنّما أيضاً متناقضة . فعلى صعيد المؤسّسات أوّلًا ، تُطرح مسألة هي مسألة تعريب الإدارة وأجهزة السلطة ، أي " الدواوين " « 2 » . ولقد سبق وبيّنا أنّ هذا التعريب وتطوّر " الديوان " ، قد سمحا بترجمة لوجستيّة معيّنة وبالشروع في البحث بشأنها ، ممّا أسهم في تصوّر علم غير هيللينستي ، هو الجبر ، مع الخوارزمي . كما أنّنا عرضنا كيف أنّ ثقافة " الديوان " هذه ، التي كانت ضروريّة لتكوين بيروقراطيّة ورقيّة ، كانت السبب في ظهور فئة اجتماعيّة جديدة ؛ وكيف أنّ الحاجات اللغويّة والأدبيّة لهذه الفئة ، إضافة إلى متطلّباتها اللوجستيّة في الجبر وفي الهندسة وغيرها ، قد حثّت على الترجمة ، وفي الوقت نفسه على البحث الخلّاق « 3 » . صحيحٌ إذاً أنّنا نستطيع ، أن نعاين نوعاً من الاستمراريّة على هذا المستوى ، وكذلك على مستوى قطاعات أخرى كالهندسة المعماريّة ، والتقنيّات الزراعيّة وغيرها ؛ لكنّ الأمر يختلف فيما يتعلّق بالبحث العلمي والفلسفي . ففي حين أنّ هذا البحث كان قد أصبح نادراً أو قد تلاشى ، كما في الإسكندريّة كذلك في بيزنطية « 4 » ، نشهد بالعربيّة ، بدءاً من القرن التاسع ، نهضةً علميّة وفلسفيّة حقيقيّة ، كانت أُسسُها ( اللغويّة والتاريخيّة والعقائديّة الفقهيّة - الفلسفيّة . . . ) قد أُرسيَت بصلابة في القرن الثامن .

--> ( 1 ) على سبيل المثال ، أنظر في ف . سزكين ، F . Sezgin : Geschichte des arabischen Schrifttums , vol . V ( Leiden , 1974 ) , p . 25 sqq . ( 2 ) ر . راشد ، R . Rashed : " Les recommencements de lalgebre aux XIe et XIIe siecles " , in J . E . Murdoch and E . D . Sylla ( eds ) , The cultural Context of Medieval Learning , ( Dordrecht , Reidel , 1975 ) , pp . 33 - 60 ; أُعيد نشره في Entre Arithmetique et Algebre . Recherches sur lHistoire des Mathematiques Arabes , Collection " Sciences et philosophie arabes Etudes et reprises " ( Paris , Les Belles Lettres , 1984 ) , pp . 43 - 70 , notamment p . 64 sqq . نُقِل هذا الكتاب إلى العربيّة تحت عنوان " تاريخ الرياضيات العربية - بين الجبر والحساب " ، تأليف رشدي راشد ، ترجمة د . حسين زين الدين - مركز دراسات الوحدة العربيّة - بيروت 1989 ؛ ( 3 ) إلى هذا التقليد ، انتمى فيما بعد ، من ضمن مجموعة كبيرة من الكتب ، كتاب أبي الوفا البوزجاني : " في ما يحتاج إليه الكتّاب ( الأدباء ، الكَتَبة ، موظّفو مكاتب الإدارة . . . ) والعُمّال ( ولاة المناطق ، جباة الضرائب . . . ) وغيرهم من علم الحساب " . أنظر تحقيق أ . س . سعيدان ، " علم الحساب العربي " ( عمّان ، 1971 ) ، المجلّد الأوّل : تحقيق كتاب أبي الوفاء . ( 4 ) ج . ف . هالدون ، J . F . Haldon : Byzantium in the Seventh Century : The Transformation of a Culture ( Cambridge , Cambridge University Press , 1990 ) ; ه - . د . سافري ، H . D . Saffrey : " Le Chretien Jean Philopon et la survivance de lecole dAlexandrie au VIe siecle » , Revue des etudes grecques ( 1954 ) ; ل . ج . وسترينك ، L . G . Westerink : Anonymos Prolegomena to Platonic Philosophy ( Amsterdam , 1962 ) .