نخبة من الأكاديميين

509

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

فقد يكون الصدق في بعض الأماكن ، نتيجة ما يؤول إليه من تبعات ، ظلماً لا عدالة ، وكذلك السلام أحياناً نظراً إلى ما يفضي إليه من جرأة على الحرمات الإنسانية . فإذا كانت العدالة قيمة مطلقة ، فإن السلام قيمة نسبية نعمل على تحقيقها إذا عادت وجهاً من وجوه العدالة ، لكننا نرفضها إن كانت ظلماً ، إلَّا أن التساؤل الأساس هو : ما هي معايير العدالة ؟ وكيف نتأكد من تحقيقها ؟ . تؤكد الأديان السماوية كلها على معيارين : الأول : معيار تعبدي نستفيد فيه من علم العالم المطلق ، وهو الله تعالى ، وهو معيار يتعلق بتعاليم الدين الثابتة التي نتأكد من كونها صادرة من الله سبحانه ، ذلك أننا نتأكد قبل ذلك من علم الله الشامل ، ومن لطفه ورحمته بالإنسان المخلوق ومن عدالته وتمتعه بكل صفات الكمال ، فهو لا يريد بالإنسان إلا الخير . الثاني : معيار وجداني يكفي فيه التأمل في الأعماق وقناعاتها ، أي بمصطلحنا - : يكفي فيه الرجوع إلى الفطرة نفسها . وما يساعدنا في اكتشاف العمق الفطري ، هو كون هذه القناعة أيّة قناعة كانت من ملازمات الطبيعة الإنسانية ، ولذلك نجدها متوفرةً لدى كل أبناء الإنسان في مختلف ظروفهم وحالاتهم الفردية والاجتماعية ، وفي أزمنتهم وأمكنتهم كلها . ولكي نتأكد من هذا المعنى نستطيع طرح السؤال الآتي على أي إنسان : ( هل تعتبر السلوك الفلاني سلوكاً انسانياً أم سلوكاً حيوانياً ؟ ) ، فمثلًا : ( قتل اليتامى والعجزة والمستضعفين للتلهي والتشهي يعد سلوكاً وحشياً من قبل أي إنسان . والقرآن الكريم أحياناً يعيد الإنسان إلى تأمله الوجداني وقناعته الفطرية حينما يقول : ( أحلّ لكم الطيبات ) « 1 » ويترك أمر تعيين الطيبات للإنسان نفسه . ويقول أيضاً : ( إنّما حرّم ربّي الفواحش ) ، « 2 » ويترك أمر تعيين الفواحش له أيضاً ، ويعتبر الخروج عن صح الإنسانية ( فسقاً ) وانحرافاً عن الطبيعة ( نسوا الله ، فأنساهم أنفسهم ، أولئك هم الفاسقون ) « 3 » . وهكذا ننتهي إلى الحقيقة الآتية : إن الأديان تؤمن بالفطرة الإنسانية ، وإن الفطرة تقرر كون العدالة مطلوباً مطلقاً ، كما تقرر كون السلام مطلوباً ، إذا شكل مصداقاً من مصاديق العدالة وتجلياً لها . ومن هنا كان التأكيد الدائم على ( السلام العادل ) تأكيداً إنسانياً صحيحاً . القيم والمصالح تنظم العلاقة بين أتباع الديانات والثقافات وتعزز النظم والقوانين الدولية : بعد أن تم عقد اتفاقية ( وستفاليا ) عام 1648 في أوروبا ، طرح مفهوم النظام العالمي ، وكان يقوم على مبدأ ( توازن القوى ) على مدى 250 عاماً ، وبعد الحرب العالمية الأولى قام نظام ( الأمن الجماعي ) ، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية فأفرزت نظام القطبين والحرب الباردة بينهما . ولكن قيام المؤسسات الوحدوية في العالم الإسلامي في أواخر الستينات كرابطة العالم الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي ،

--> ( 1 ) - المائدة / 5 . ( 2 ) - الحشر / 19 . ( 3 ) - الأعراف / 33 .