نخبة من الأكاديميين

479

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

شتاتهم أينما كانوا . والعكس صحيح أيضاً ، وذلك في حراك جدلي يخرج من الكل إلى الجزء ، ويؤوب من الجزء إلى الكل في قرار وجواب . ولعل المسلمين في العالم هم في مسيس الحاجة إلى هذا النوع من الحراك السياسي الجدلي في عملية إغناء وإحياء متبادلين للتجربة السياسية الخاصة لكل منهما وتأثيراتها المفيدة على مشتركاتهما ومصالحهما السياسية التي لا نراها إلا واحدة . وفي ذلك خير عميم وخطوات إيجابية تتحقق على مستوى تفعيل تجربة المسلمين الحضارية وتخصيبها بمصبات التعدد المختلفة وتنوع المصادر والمشارب الثقافية والاجتماعية ، وبالتالي التعجيل في إنضاج نماذجهم الحضارية في شتى الاختصاصات والحقول . وهذا باب اخر من أبواب التحدي التي لطالما كانت ترتج عليهم فيعيون عن تقديمها والإقناع أو المنافسة الحضارية بها . فللآخرين نماذجهم الحضارية الناجزة في جميع المجالات ، ولو أنها لا تدعى الكمال والاكتفاء ، بينما لم يستطع منافسوهم الحضاريون بعد تقديم نماذج مغايرة أكثر نجاحاً وأقدر على الإقناع بكونها البديل الأصلح . في السياق نفسه نشير إلى أننا من جهتنا نراهن كثيراً على هذا النمط من التبادل والتفاعل الحضاريين بين التجربتين الإسلامية العربية والغربية بالرغم مما عرفته حتى الآن من انتكاسات وخيبات ، فهي في رأينا فرصة حضارية ثَرَّة بالفوائد ، لا للتعارف بين الطرفين بكل ما يحمله التعارف من عِبَر ودلالات فحسب « 1 » ، بل وربما أيضاً لإنتاج نموذج علائقي حضاري اختياري جديد ومختلف تنجبه عملية التلاقح والتعايش والاستكنان الموضوعي في الآخر القائمة حالياً . وهي وإن جاءت متوجسة وقسرية وإِجبارية وإِلزامية ولا غنى عنها في آن ، إلا أننا نرى في تضاعيفها أنها تختزن منافع جمة يمكن لها أن تفضي في المستقبل إلى محصلات ونتائج متفردة في شتى الحقول ، فيحمل النموذج الحضاري الوليد ملامح وسمات المشتركات والجوامع في النسقين الحضاريين الإلهي والمادي اللذين لطالما كان بينهما أحواز من التفاعل المشترك من خلف ظهر السياسي تارة ومن خلاله تارة أخرى ، فالمشروعان الحضاريان هذان ليسا فضاءين متناقضين كلياً ، وعلى ما فيهما وبينهما من تقاطعات وقواسم مشتركة تقوم نقاط الارتكاز في التفاعل الذي لا مناص من حدوثه . وتلك سنة تاريخية واجتماعية مشهودة في العلاقات بين المشروعين الحضاريين المتدافعين أبداً . وإنها لتجربة حريٌ بها أن تُخاض بتفكر وإمعان تأمل وباختبار عن كثب ، فما حدث في الأعصر الحديثة أن توفرت فرصة تماس وتداخل من هذا النوع المترع بالأسئلة بين المشروعين ، وقد يكون مدهشاً وحافلًا بالمفاجآت والإجابات من كل حدب وصوب . * * * خارج تِلكُمُ الانتفاضات الثلاث على الذات بامتداداتها الإصلاحية والواقعية والممكنة داخل العالم الإسلامي وعلى مدى انتشار دياسبورا الأقليات المسلمة ، لن يُتاح لمسلمي العالم ومشروعهم الحضاري المتجسد برسالية دينهم أن يتحولوا إلى مكون أساسي في قرار وبناء مستقبل البشرية ، كما لن يقيض لهم أن يكونوا شركاء مؤثرين في تحديد توجهاتها وصيرورتها ومصيرها ، وإلا ظلوا كما تكاد

--> ( 1 ) التعارف المقصود هنا هو التعارف القرآني بمقوماته ودلالاته التي تختزنها الآية الكريمة المذكورة سابقاً : « يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم . . . » - الحجرات / 13 .