نخبة من الأكاديميين

472

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الجماعة المسلمة ، من خلال نظريتها الكونية التوحيدية / مشروعها الحضاري تجارب علائقية تاريخية مع شعوب وأمم كثيرة مجاورة ، أو متنائية ، وذلك بدءاً من العلاقات التفاعلية البناءة بين الثقافة والمدنية الفارسيتين ، مروراً بالثقافات والمدنيات العريقة الأخرى لبيزنطة واليونان والهند والصين ، وصولًا إلى التجربة التعددية الرائدة والمتفردة في التاريخ التي عاشها المسلمون في الأندلس إبَّان القرون الوسطى . وما هذي التجارب سوى نماذج ثرَّةٍ تنبئ بما لا يدع مجالًا لمتشكك بالمستوى المتقدم للعقلانية والمرونة والانفتاح التي تميز بها المشروع الحضاري الإسلامي والجماعة المسلمة وهو ينسجان شبكة علاقاته الاعترافية والتعارفية والتفاعلية مع الجماعات الأخرى . فكانت تلك التجارب مجالًا حيوياً لتجدد ذاتي خلاق وشراكة إغناء متبادل مع الآخر أسهما أيما إسهام في دفع المسلمين إلى انجاز إبداعات فكرية وفقهية وسياسية واجتماعية مكنتهم من حسن التدبر والتكيف والتأقلم بحكمة وعقلانية مع الخصوصيات الجيوسياسية والدينية والإيدلوجية والثقافية للمجتمعات التي شاركوها عيشها ومعيشها وصيغ حياتها في تنوع ضمن الوحدة نموذجي . إن من يملك رؤية حضارية أو مشروعاً حضارياً على هذه الدرجة من العالمية والرقي والتدامج مع الآخر ، والاعتراف به واحترام خصوصياته والتكامل معه ، حريٌ به أن يعتبر بعبر هذه التجارب الريادية ودروسها من غير أن تصيبه خيلاء استعادة شكلانية أو أوهام استنساخ تلك التجارب نفسها مهما بلغت عظمتها ورياديتها في زمانها . فلا استنساخ ولا تكرارية في التجارب والخبرات العلائقية التاريخية ، ما خلا فوائد ومكتسبات الاعتبار والتفكر والاهتداء بمثلها وسننها والقوانين . فإحدى أبرز ميزات الحضور الديني في حياة الجماعة المسلمة أنه حضور أَماميٌ تقدمي وتجاوزي . بمعنى أنه لا يختصر اتساع الحياة بنماذج متيبسة ونهائية . وعلى ذلك استرشدت التجارب العلائقية التاريخية للمسلمين بديناميات الإسلام نفسه لتنمو وتتطور ، واستناداً إلى ثبات مبادئه وقَيِمِهِ ومطلقيتها . وهذي مفارقة حضارية رائعة تحسب للإسلام لا عليه ، وتشهد على حيويته لا على جموده ، ولذلك قيل : إن الإسلام دين حركي ينبض بالزخم والدفع والحيوية « 1 » . فما أحوج المسلمين وهم في عسر حراكهم التاريخي الحالي وبطئه إلى أن يرتدوا عن الرحيل السهل إلى استرجاع ماضٍ ثبت أن المستقبل لن يكون على شاكلته ، وأن لا تبقى نظرتهم إلى هذا المستقبل الذي يقرع أبوابهم كل لحظة طارحاً الأسئلة والتحديات عليهم بما لا يحصى من الأمور والمستحقات ، حسيرة حائرة ، تنخرط في تحديات حضارية لا تمتلك في مواجهتها نماذجها الخاصة المعاصرة والمكتملة والمقنعة ، ولا تحمل بيمينها ولا بيسارها إجابات واضحة وناجزة عن الكثير الكثير من تلك الأسئلة الكبرى المطروحة عليها . إن العالم ما انفك يتغير ويتدبل . . لكأنه بات في العقود الأخيرة يتنفس تحولات كبرى ويمطر أطروحات جديدة شديدة التعقيد وفائقة السرعة في كل المجالات ، وما لم يفلح المسلمون بإسلامهم كدين وكمشروع حضاري وبعقولهم واستنارتهم تلمس تضاريسها ومنعرجاتها والانخراط ايجاباً في

--> ( 1 ) المطهري ، مرتضى : « إحياء الفكر في الإسلام » - ص . ص / 37 - 38 وص / 25 .