نخبة من الأكاديميين

464

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

أما الجهد الضروري الثاني فيفترض فيه أن يتجه إلى الخارج . . أي إلى الغرب نفسه . بمعنى أن يتقدم المسلمون إلى تقديم أنفسهم للعالم بعامة وللغرب بخاصة خلافاً للصورة النمطية السلبية التي اصطنعها لهم هذا الأخير وحاصرهم في إطارها وبخطاب معرفي قادر على الفهم والإفهام كما سنرى . فإذا بهم يتطوعون لفعل ما هو العكس فغلَّبوا تقديم السلبيات على الإيجابيات . وبذلك ثُبتت الصورة النمطية التي اصطنعها الغرب للإسلام وللمسلمين ، وأفيض عليها المزيد من المنفِرّات والمثيرات ولوازم التعبئة والاحتقان المضادين ، وذلك بدءاً من آفات تخلفنا بأشكاله ومستوياته المتعددة ، وتهافت خطابنا التعارفي الموجه إلى الآخر وقصورة . . وصولًا إلى بطء حراكنا الفقهي في التصدي لاحتياجات العصر وضرورات معيشنا وتنظيم شؤوننا وإطلاق ذواتنا إلى فضاء العصرنة والحداثة ، لا سيما منها ما يتعلق بما يحلو للبعض تسميته بين ظهرانينا ب - " فقه الانفتاح " أو ب - « فقه الاغتراب والهجرة » « 1 » الذي ينبغي له أن يواكب خصوصيات الأقليات المسلمة في العالم وتجارب معيشها الفريدة من نوعها . إثر أزمة الرسوم الكاريكاتورية الدانمركية التي كانت أحد الاختبارات المرجعية للعلاقات بين العالم الإسلامي والغرب وما صاحبها من ردات فعل اتَّسَم اتسهم بعضها بالقسوة والعنف المعبّرين ، ونظراً للاختبار المحتدم حالياً فيما يسمى ب - " قضية المونسنيور ويليامسون " ، وهي عنوان جديد وإضافي من عناوين ازدواجية المعايير في الغرب وممالأة اليهود والخنوع أمامهم « 2 » كثيرون يتساءلون : مَنْ يُشوه مَن ؟ . في السياق الذي نشير إليه يبدو السؤال مشروعاً . فإذا كانت الإساءة إلى الآخر وتشويه صورته فعلًا سياسياً بامتياز ، وهو خطأ مدان بالمعايير الأخلاقية كافة ، فإن الإساءة إلى النفس وتشويه وجهها ، ولو بغير قصد ، هما خطيئة خالصة ومثالية وحجة كاملة لتصنيف المرتكب في خانة التخلف ، أو في خانة ما يسميه علي شريعتي ب - « الاستحمار » « 3 » . قراءة في المستقبل العلائقي بين مسلمي العالم والغرب ليست نادرة الحدوث الاختبارات أو الابتلاءات التي تمر فيها علائقة العالمين بمحن أو أزمات . . . ثم أليست هي إلا سلسلة أو فصولًا من هذا القبيل ؟ . . غير أن بعضها يتميز بإستكنان خاص حافل بالعبر . كان اختبار الرسوم الكاريكاتورية الدانمركية فصلًا من تلك الفصول المحملة بهذا النوع من الخصوصية والدلالات ، مترعها وبالإنباء والترميزات ، وذلك لجسّ نبض التجربة العلائقية الإشكالية والطويلة بين مسلمي العالم والغرب ولاختبار مستوى مناعتها أوتهتكها ومدى تجذرها وثباتها أو اهتزازها واضطرابها . كان أيضاً سانحة للمراجعة والتأمل في محصلاتها والنتائج التي آلت إليها ، وكلها تقول :

--> ( 1 ) أنظر مثلًا : - هاجر ، محمد يوسف - في « الأقليات المسلمة في العالم » - ج - / 2 ص . ص / 25 وما بعدها . - راجع أيضاً البند 14 من تقرير وتوصيات الاجتماع الأول للجنة الخبراء المكلفة من قبل منظمة المؤتمر الإسلامي بوضع خطة عمل للحفاظ على حقوق الجماعات والأقليات المسلمة في العالم ، والتي اجتمعت في مدريد ما بين 12 - 14 كانون الأول ديسمبر 1998 . ( م . ن ) - ج - / 1 ، ص . ص / 247 . ( 2 ) لبضعة أشهر خلت صرح المونسنيور ريتشارد ويليا مسون Richard Williamson للتلفزيون السويدي قائلًا : " أعتقد بعدم وجود غرف غاز عدد الذي قضوا في معسكرات الاعتقال ( النازية ) يتراوح ما بين مئتي ألف إلى ثلاث مئة ألف يهودي ، ليس بينهم شخص واحد أعدم في غرف الغاز " . فأثيرت في وجهه عاصفة من الاستنكارات والتنديدات لمَّا تنته فصولا بعد . وفي 4 شباط / فبراير 2009 ، وتحت ضغط تلك العاصفة ( أكثر منظم ) ، طلبت سكرتاريا دولة الفاتيكان إلى ويليا مسون سحب تصريحه علناً وعلى الملأ . في شباط / فبراير 2009 نشرت أسبوعية " دير شبيغيل " ( Der Spiegel ) الألمانية مقابلة مع الرجل أعلن فيها بأنه سيعاود دراسة الحجج التاريخية التي في حوزته قبل سحب أقواله المتعلقة بنفي وجود غرف الإعدم بالغاز ولضخامة السجال الذي أحدثته وقد بلغ حد مطالبة أقطاب في الكنيسة بفصله عنها ، من بينهم رئيس مجلس الأساقفة الألمان روبير زوليتش ، كما خاض في الحملة على الرجل سياسيون منهم : الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ، ورئيس وزراء بلجيكا هيرمان فان رومبي . بعد بعض التردد لبضعة أيام قدم المونسنيور ويليامسون اعتذاراً عن موقفه ، ولكن على طريقته إذْ قال : " أستطيع التأكيد بكل إخلاص على أسفي لصدور هذا التصريح الذي ، لو كنت أعلم مسبقاً أي مضايقة وأي ألم سيتسبب فيهما ، ليس للكنيسة فحسب ، وإنما للذين ما زالوا على قيد الحياة ولعائلات الضحايا الذي عانوا من ظلامات الرايخ الثالث . . . ، لو كنت أعلم بذلك ، لما كنت أعلنت ما أعلنته . أمام الله أطلب الصفح من جميع الأشخاص الذين أساءت أقوالي إليهم " . وبرغم هذا الاعتذار المحبوك بخطاب كنسي متقن ، لم يتوقف سيل اللعنات ، على ويليامسون ، فاعتبر الفاتيكان اعتذاره " غير كافٍ " وكذلك فعلت مرجعيات دينية وسياسية عديدة في الغرب وقد ترافق ذلك كله مع حملة شعواء عليه أسستها المرجعيات اليهودية في الدولة الصهيونية وفي الغرب توجها المفوض الأوروبي للعدالة جاك باروت بإعلانه إثر اجتماع لوزراء العدل الأوروبيين في 27 شباط / فبراير 2009 : " إذا تمسك المونسنيور ويليامسون بأقواله ، فإن القانون الفرنسي يعاقب كل من يشكك في حدوث المحرقة " ثم كان أن طلبت إليه الحكومة الأرجنيتية مغادرة أراضيها وهو المقيم فيها باستمرار ، وذلك لذات الأسباب . ما اضطره إلى ترك الأرجنتين إلى بريطانيا . ( 3 ) شريعتي ، علي " النباهة والاستحمار " ص . ص / 40 39 .