نخبة من الأكاديميين
456
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
وعنفية أحياناً ، يتخبط المسلمون في أنحاء العالم ، ولو على تفاوت نسبي ، في حالة احتقان وتورم أيضاً ، ولكن في اتجاه معاكس يتنقب فيه أشكالًا دفاعية أو ثأرية متعددة وغالباً ما تقع موقع ردات الفعل ، ولعلها كذلك دائماً . وللمسلمين الغربيين بخاصة في ذلك شؤون وشجون تختلف نسبياً عن تلك التي يعيشها أقرانهم في العالم الإسلامي ، وإن كانوا يشتركون كافةً في معاناة ومتاعب عامة وبمستويات مختلفة . فللخصوصيات الجيوبوليتكية والمجتمعية كما للتداخلات البينية أو المناطقية أو لتلك المرتكزة إلى استقطابات أو دوائر محورية ، دورها المؤثر في هذا المجال . والكلام على ما يسمى ب - « هوية الإسلام الأوروبي مثلًا ، أو على « فقه الاندماج أو لاهوت الاندماج » أو على « إسلام ينسجم مع الثقافية الأوروبية » . . . كل هذا الكلام جديرة دلالاته بالتفكر والتأمل العميقين « 1 » . تعاني الأقليات المسلمة في الغرب من ظروف معيش ومشكلات مركبة وبالغة التعقيد يختلط فيها الإيديولوجي بالسياسي والاجتماعي والثقافي والحقوقي في آنٍ معاً ، كما تختلط فيها مشكلاتهم الوافدة معهم من البلاد التي هاجروا منها بالصعوبات الكأداء التي ما فتئت تثقل عليهم وتجعل حياتهم في البلدان التي استقدمتهم أو استقبلتهم حافلة بالاضطراب والعوائق على كل صعيد . المعروف عن « الدياسبورا الإسلامية » هذه أنها تشكو من أزمة هوية مستفحلة أثارت على أطرافها تشنجات وإغراءات خوف وقلقاً على المصير وانغلاقاً موضوعياً أو اضطرارياً على الذات والجنوح إلى رهانات لم تكن صحيحة دائماً . وتكاد الدراسات التي تناولت هذه الأزمة تجمع على محصلة قوامها أن الدياسبورا الاسلامية حطت رحالها بين ظهراني مجتمعات مستقبلة تستعيد بناء نفسها ، أو تتابع مسار تطورها بعد حربين عالميتين طاحنتين استنزفتاها وأنهكتاها أيما استنزاف وإنهاك ، عدا السلبيات الاجتماعية والإنسانية والثقافية التي خلفتها خسائرها البشرية الفادحة وصولًا إلى ما يسميه إدوارد سعيد ، بعد الباحث الفرنسي " فيريليو " : « عواقب تفكيك الاستعمار » « 2 » . ذلك كله جعل هذه المجتمعات مأزومة على نطاق واسع ، إذ لم يكن ممكناً لها مغادرة الخنادق وتوديع السلاح والجلاء عن المستعمرات بعد نحو جيليين ، من غير ندوب أو تعقيدات تنموية وإعمارية ، أو من غير توترات سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية . فإذا كان للتخلف مِحَنُهُ ، فلإعادة البناء والعمران بعد الخراب والتدمير في كل البنى المادية والإنسانية والمؤسسية ، جراثيمها الإيديولوجية والثقافية وتداعياتها المرضية ومضاعفاتها الجانبية أيضاً ، ومنها ما له كمون استراتيجي خبيث ، مهما تدثرت المجتمعات المنكوبة بالنصوص الدستورية الوردية بمبادئ الديموقراطية ومسلمات الحرية والعقلانية . على رأس ظواهر ما بعد الحرب الثانية في المجتمعات الغربية استشراء ثقافة « الإعياء من الأجانب » وعدم التسامح الديني والإثني والثقافي التي انفلتت من عقالها الحقوقي والقانوني بشكل خاص بعد مباشرة الحروب المتنقلة على ما يسمى ب - " الإرهاب " ، مع نزوع إلى الاستغراق في جنون عظمة « 3 » واستكبار فائقين في ظل احتباس سياسي واقتصادي عالمي خانق .
--> ( 1 ) سعيد ، ادوارد : « الثقافة والإمبريالية » ص / 382 ( 2 ) رمضان ، طارق مقابلة معه منشورة في جريدة السفير بيروت عدد 23 تشرين أول / أكتوبر 2004 . ( 3 ) رمضان ، طارق ( م . ن ) .