نخبة من الأكاديميين
424
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
البعثيون أو الشيوعيون ( في مصر أو سوريا أو العراق أو المغرب العربي ) السبل نفسها التي اتبعها أولئك الذين تخلوا في السودان ومصر مباشرة عن انتمائهم إلى الجمعيات الدينية ليناضلوا في صفوف إسلام أقل سلبية ، وبالتالي أكثر تسيساً . ففي اليمن برز الإخوان المسلمون الأوائل في وجه نظام الإمامة الزيدية الذي لم يعترضوا على استبداديته فحسب ، وإنما أيضاً على ثيوقراطية الإنغلاق ( أحنف ، 1999 ) . فبما أنهم تأطروا في القاهرة ، فقد تلقوا مساعدة تلامذة البنا في صراعهم ضد إمامة انعزالية ومحافظة ، ومع أن " الثورة الدستورية " المدعومة من الإخوان ( 1948 ) تم إجهاضها ، فقد ساهمت في إطلاق دينامية التحديث التي ستسفر هذه المرة - بمساعدة عبد الناصر - عن الثورة الجمهورية عام 1962 . بالنسبة إلى جيل الزعماء السياسيين الستينيين حالياً ، فبعد صدى إقامة الدولة العبرية عام 1948 والهجوم العربي الفاشل ، فإن انهيار الجيوش الناصرية في حزيران 1967 في أثناء ( حرب الأيام الستة ) العابرة ، هو الذي وجه ضربة قاصمة ليقينيات الفكر " العروبي العلماني " . ثمة محفزات تاريخية تعود بطريقة متواترة في روايات المناضلين : إن انتصار الثورة الإيرانية ( 1979 ) التي ( أعطت الدليل ) على قوة المصدر الإسلامي ، والاجتياح الإسرائيلي للبنان ( 1982 ) أو الانتفاضة الفلسطينية الأولى ( كانون الأول 1987 ) ، واللذين كان الرد عليهما إنشاء حزب الله اللبناني وحماس الفلسطينية ، واجتياح أفغانستان ( 1979 ) ، وحرب الإخوة بين اشتراكيي اليمن الجنوبي ( 1986 ) وانهيار المعسكر السوفياتي ( 1989 ) ، تسجل التراجع البطيء للفكر الماركسي الذي يعتبر مستورداً وخارجياً . في كل أنحاء العالم العربي تقريباً ، سيشكل تدريجاً جيل الناصريين أو البعثيين أو الاشتراكيين ، وكذلك النخب الحداثوية المتعلمة في الغرب ، مادة لانتقاد مزدوج من جانب جيل الإسلاميين الصاعد . الانتقاد الأول الموجه على السواء للحكام ولمعارضيهم من اليسار هو ذاك القائل بأنهم يعانون نوعاً من " عجز الذاتية الثقافية " ومن الفشل في إحياء أولية المنظومة الرمزية الإسلامية . إذ ينادي الإسلاميون ، على الصعيد الإيديولوجي والرمزي ، بعملية إقصاء المستعمر الذي يأتي ليتصرف بحرية في المجال السياسي قبل التوسع في المجال الاقتصادي مع عمليات تأميم ( النفط والأراضي الزراعية وقناة السويس . . . الخ ) . أما في المغرب العربي ، حيث يضاف إلى التهميش الذي قامت به الدولة للمؤسسات الموروثة من المنظومة الإسلامية ما قبل الاستعمار ، وإلى السياسات الطوعية لتحرر المرأة ( تونس ) ، فان الاستخدام الرسمي والعام للغة الفرنسية يوضح استمرار هذا الانقسام : تدان النخب العلمانية تدريجاً بأنها " حزب فرنسا " . " بصفة كونه أكثر من انتصار على المحتل الفرنسي " ، إن الاستقلال " يشكل انتصاراً على الحضارة العربية - الإسلامية لتونس " ، حسبما يشهد زعيم حزب النهضة المنفي الإسلامي راشد الغنوشي . كذلك سيتبنى المطلب الإسلامي إدانة كانت حركات المعارضة اليسارية تطلقها : إدانة النزعة التسلطية المتزايدة للأنظمة ، وبالتالي فإن عجز السلطات العربية عن عدم قمع حركات المعارضة وسجنها وتعذيبها هو مادة الانتقاد الثاني الموجه من جانب جيل الإسلاميين الجديد . فبعد