نخبة من الأكاديميين

407

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

ثم تأتي الاتصالات بأحداث العالم وقت حدوثها إلى غرفة الجلوس . ففضائيات مثل « الجزيرة » وغيرها أصبحت في كل منزل ، ولم يعد هناك من مقاومة جدية لصحن الأقمار الصناعية إلّا في إيران . ولكن ما إن تبدأ بالتفكير بعالمك بصفة كونه مباراة بين عودة الإسلام إلى التجذر كعملية جماهيرية وبين قمعه كعملية تقوم بها السلطات نيابة عن مصالح دولية أجنبية ، حتى تبدأ بالنظر إلى الأحداث في أماكن أخرى التي يمثل المسلمون طرفا " فيها من خلال المنظار نفسه ، فتصبح الصدامات بين جبهة مورو للتحرير الوطني وبين السلطات في منداناو ، وبين العرب والآلبان في البلقان وبين المسلمين والمسيحيين في شمال نيجيريا ، أو بين الآسيويين الشبان والحزب القومي البريطاني في بلاكبرن وأولدهام . . هذه الصدمات كلها تصبح جزءا " من عملية كونية منظمة يضطهد بها الغرب الإسلام . وعلى الرغم من أن للمحلي جذوره وتاريخه ومنطقه إلا أنه ما يلبث أن يصبح جزءا " من خطاب كوني يطغى دوره على الخطاب المحلي . واللاعبون المحليون هم في الغالب أبناء المهاجرين من القرية إلى المدينة في الستينات والسبعينات ، ولكن ما دامت هيمنة القوى الخارجية لا تترك لهم الكثير من الاستقلال الذاتي ، فإن التقوى الشخصية والانخراط السياسي المتفاوت في إطار خطاب إسلامي يحتوي على نظرة معينة للعالم ، يبدوأنّ الخيار الوحيد المتاح . وهناك تشابهات وتفاعلات مهمة بين أوروبا والعالم العربي في هذا المجال . جاء المهاجرون المسلمون إلى أوروبا في البداية لأسباب محض اقتصادية . إلا أن الدافع الأساس لحراكهم السياسي تحول في الستينات والسبعينات إلى إعادة جمع شمل العائلات . ولقد كان ذلك جزئيا " نتيجة لقرار الحكومات الأوروبية إغلاق الأبواب أمام هجرة اليد العاملة في بريطانيا أولا " عام 1962 ، ومن ثم في بقية أوروبا في عامي 1943 - 1974 ، وذلك في وقت كانت اقتصاداتها تعاني بعض الضغوط . وكان من نتيجة ذلك تشجيع الشباب على البقاء في المهاجر والمجيء بزوجاتهم وخطيباتهم إليها بدلا " من العودة إلى أوطانهم كما كانوا ينوون في البداية . ولكن مع تمأسس الأسر جاءت أيضا " الثقافة والدين ، وخصوصا " أن معظم المهاجرين المسلمين إلى أوروبا جاؤوا من قرى وبلدات صغيرة ولم يكونوا من الحاصلين على تعليم عال « 1 » . ولقد جاء احتكاكهم بالمؤسسات البيروقراطية الأوروبية كمؤسسات الرعاية الصحية والمدارس ليعمق إحساسهم بالغربة . هذا الإحساس الذي كان مماثلا " لإحساس المهاجرين من الريف إلى المدينة . ولكن ما فأقم من إحساسهم هذا ، هو انتقالهم من حضارة لا تزال تحتفظ بهوية تقليدية وجدت تعبيرها الواعي في العلاقة بالإسلام ، إلى بيئة تفتقر إلى شبكات اجتماعية متماسكة وقاعدة دينية مشتركة . فلقد انتقلوا من العيش في مجتمعات إسلامية واعية لذاتها إلى مجتمعات علمانية كان الدين يفقد في شكل متسارع قاعدته فيها . كانت الأولويّة بالنسبة إلى الجيل المهاجر ، الأول ، هي الرفاه المادي . فهذا ما جاؤوا لأجله أساسا " ،

--> ( 1 ) - وذلك على النقيض من هجرة المسلمين إلى الولايات المتحدة وكندا ، حيث أنهم يشكلون الأغلبية من الجامعيين وأصحاب المهن الحرة .