نخبة من الأكاديميين
39
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الفرس ، وممتنعاً عن أداء الضريبة ، فوجّه إليه كسرى إنذاراً ، ردّ عليه الإمبراطور بإعلان الحرب . وقد جاءت ردّة الفعل سريعة من كسرى الذي اجتاحت قواته المنطقة الفراتية ، وسيطر على زمام الموقف بعد سقوط الحصن البيزنطي المنيع ( دارا ) « 1 » . ومن ثم تابعت قواته تقدّمها في أرمينية وأرضروم حتى سيواس ( 575 م ) . ولكن الحظ لم يحالف كسرى طويلًا ، فما لبث البيزنطيون أن شنّوا هجوماً معاكساً ، دفع بقواته إلى التراجع بعد هزيمتها في معركة جرت بالقرب من ملطية ( 578 م ) ، وذلك قبل عام من وفاته . وقد رأى البيزنطيون الإفادة من غياب الملك القوي ، بفرض معاهدة صلح على خليفته هرمز الرابع ، ولكن الأخير ، إذ رفض الاستجابة لضغوط أعدائه ، سرعان ما فاجأه هؤلاء بحملة كبيرة ، استهدفت عاصمته طيسفون ( المدائن ) ( 580 م ) ، إلا أنه لم يتوان عن التصدّي بشجاعة لهم ، مستغّلًا سوء العلاقة حينذاك بين البيزنطيين وحلفائهم الغساسنة في الشام « 2 » . ولعل هذه السجالات لم تسفر عن تغيرات جغرافية مهمة ، فقد كانت غالباً ما تنتهي بالصلح ، مقابل ضريبة يؤدّيها الطرف المهزوم للآخر المنتصر ، ولكن اللافت أن الصراع الذي لم يحسم ، ظلّ مستمراً ، وإن بوتيرة متراجعة ، حتى بين « الحاجزين » اللذين مال كلاهما أيضاً إلى الانكفاء ، نتيجة لخلافات كل منهما مع حليفه ، لا سيما في العراق ، حيث أخذ التناقض يتعمّق بين المناذرة اللخميين والدولة الراعية لهم . ومما أضعف الموقف حينذاك على جبهة الفرس ، أن هؤلاء عانوا أزمة داخلية حين قامت ثورة أطاحت هرمز ( 590 م ) ، بعد اتهامه بالطغيان والاستئثار بالأموال ، وفاقاً لمروية ابن الأثير « 3 » . كما واجه خليفته ( بهرام ) خصماً قوياً ، نافسه على العرش ، وهو « أبرويز » الذي نجح في تأليب عدد من الولايات عليه ، فضلًا عن الاستعانة بالبيزنطيين لقاء عهود قطعها بالمحافظة على السلم ، مما أسفر عن قتل بهرام في معركة تبريز ، وتنصيب أبرويز « 4 » الذي سيكون شاهداً على الفصل الأخير ، وربما الأشدّ إثارة بين الفرس والبيزنطيين . وكانت القسطنطينية ، في المقابل ، قد عانت أزمة حكم بعد انقلاب على القيصر ، اضطرت ابنه للجوء إلى الفرس ، طلباً للمساعدة على استرداد العرش « 5 » ، فوجدها أبرويز فرصة مهمة لتحقيق انتصارات خارجية كان بأمسّ الحاجة إليها ، لإحكام سيطرته على الجبهة الداخلية ، وما لبث أن وجّه جيوشه في اتجاهات ثلاثة : الأول تقدّم حتى خليج القسطنطينية ، والثاني توّغل في أرض مصر ، والثالث اجتاح الشام بقيادة « شهربراز » حتى بيت المقدس ، منتزعاً من كنيستها الصليب المقدس « 6 » وقافلًا به إلى العاصمة الفارسية . وقد خلّفت هذه العملية الجريئة سخطاً مريعاً في العاصمة البيزنطية ، حيث سارع « بطارقتها » إلى خلع القيصر بعد أن رأوا فيه ضعفاً يحول دون مواجهة الموقف الصعب ، واختاروا مكانه هرقل ، حاكم أفريقية في ذلك الحين ( 610 م ) « 7 » . وقد كان الإمبراطور الجديد يتمتع بمزايا تؤهله ليكون منقذاً للمجتمع المترهّل ، سواء في قوة شخصيته أو في خبرته الإدارية ، وقبل ذلك في براعته مقاتلًا شجاعاً عُقدت عليه الآمال للانتقام من
--> ( 1 ) الدينوري ، الأخبار الطوال ص . 68 - 69 . ( 2 ) المكان نفسه . ( 3 ) الكامل في التاريخ ج . 1 ص . 492 . ( 4 ) الدينوري ، المصدر السابق ص . 101 ، اليعقوبي ج . 1 ص . 169 . ( 5 ) الدينوري ، المصدر السابق ص . 106 . ( 6 ) المكان نفسه . ( 7 ) نورمان بيتز ، الإمبراطورية البيزنطية ص . 52 .