نخبة من الأكاديميين

388

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

وشمبليون ، عاشق التاريخ المصري القديم ، واللغات الشرقية القديمة وصاحب الموهبة المبكرة في إتقان اللغات بشكل خارق ، كان قد " أحب مصر " بذهنية ابن قرن الأنوار ، قرن الدعوة إلى العقل والديمقراطية والمساواة والانفتاح الإنساني على كل الحضارات ، وقبل أن تتشكل أفكار النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، أفكار الاستعمار المؤسس على الإمبريالية المالية والثقافية ومفاهيم القومية الشوفينية والعنصرية التوسعية « 1 » . وقد يكون هذا الانتقال من ذهنية ثقافية ، إلى ذهنية ثقافية أخرى أي من ذهنية " الأنوار " إلى ذهنية " الإمبريالية " هو ما يفسر ذلك الفرق في النظر إلى شمبليون بين صورتين : بين شخصية شمبليون الحقيقية كمكتشف علمي أو كوجه حضاري من وجوه مشروع " وصف مصر " وبين التمثال الذي نحته له لاحقاً النحات بارتولدي ( Bartholdi ) في عام 1875 ( في باريس قرب الكولاج دو فرانس ) . لقد نحت بارتولدي تمثال شمبليون بصورة رجل منقبض القسمات ، متغطرس ، وقد أسند ذقنه إلى قبضة يده ووضع رجله على رأس فرعون . إنه يبدو وكما يصفه الكاتب المصري أنور لوقا " مفكراً متعجرفا ، يمثل دور المصارع الذي ينتصب على قاعدته متعالياً تعالي البرجوازي الغالب " « 2 » . أما رأس الفرعون فيبدو في التمثال مغلوباً صريعاً . إنها إذن علاقة اللاتكافؤ في زمن مسقط على زمن آخر . إنه التماثل في غير محله ، تاريخياً وجغرافياً ، وثقافياً . إنها صورة لعلاقة بين مستعمر يُرى ويُعاش بذهنية أواخر القرن التاسع عشر ، وبين مجتمع يُقهر في حالة ضعفه ، فستحضر بسبب هذه الذهنية قوة ذاك المجتمع من التاريخ السحيق لتكون هي أيضاً ( أي القوة السابقة ) في وضعية المغلوب أيضاً ، وكما يظهرها بوقاحة رأس الفرعون في التمثال مداساً بقدم شمبليون . هذا ، في حين أن دارسي شمبليون ، اليوم ، ولا سيما الفرنسيين منهم ، يكتشفون اليوم أبعاد المفارقة ، بل أبعاد الهوة القائمة بين شخصية شمبليون ودوره العظيم في اكتشاف ما كان مجهولًا من تاريخ مصر القديمة . وبين النظرة الاستعمارية الفرنسية اللاحقة لهذه الشخصية وذلك الدور . إنها إذن مفارقات التاريخ ووعي تحولاته على مستوى الذهنيات ، وإدراك أن التاريخ لا يسير على خط واحد ووجه واحد . أما رفاعة رافع الطهطاوي ، فتشاء الصدفة ذات المغزى التاريخي ، أن يكون في باريس ، يدرس وهو في قلب الحركة الثقافية والاجتماعية الفرنسية ذات الاهتمام بذيول حملة نابليون وبما أنجزه علماؤها من مباحث واكتشافات واهتمامات . لقد أضحت ، في حينه ، موضوعات مصر مثار اهتمام الأوساط الثقافية والعلمية الفرنسية ولا سيما في مجال علم المصريات ( L Egyptologie ) ، كما أضحت مثار اهتمام الأوساط البرجوازية الباريسية لاعتماد " الموضة المصرية " ( LEgyptomanie ) حيث شاعت هواية اقتناء الصورة المصرية والتمثال المصري والزي المصري والأثاث المصري . . « 3 » . هذا ، وكون " جومار " محرر كتاب " وصف مصر " أستاذاً وموجهاً للطهطاوي ، فهذا مؤشر لحالة

--> ( 1 ) . Francois Landon , " Champollion : un home Icone " Les cahiers de science et vie , No 40 , Aout 1997 . ( 2 ) . المرجع نفسه ( 3 ) . Partrice Bret , LEgypte au temps de lexpedition de Bonaparte 1998 , pp . 18 - 19 .