نخبة من الأكاديميين

334

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

تونس 1881 م ثم ليبيا 1911 م ، ثم المغرب التي كانت خارج السيادة العثمانية « 1 » . وتُبين لنا الدراسة المقارنة بين عمليات هذا السقوط وتطوراتها أنماطًا للتفاعل بين تدهور الأوضاع الداخلية في هذه الدول ( إفلاس الاقتصاد ، الفوضى السياسية ، مشكلات التجانس القومي ) من ناحية وبين التدخلات الأوروبية القوية جدًا في الشؤون المالية ( أحيانًا تحت ستار عملية التحديث والتطوير كما حدث مع تونس ) والتي انتهت بالاحتلال العسكري من ناحية ثانية ، وبين عجز وعدم قدرة الدولة العثمانية على التدخل المباشر والفاعل لمنع هذا الاحتلال ( نظرًا للتزامن مع مشكلات ملحّة ومباشرة في المركز العثماني ونظرًا لعدم القدرة على توظيف التوازنات الأوروبية حول هذه المنطقة ) من ناحية ثالثة . ويعكس هذا النمط من التفاعل بين هذه المتغيرات الثلاثة كيف أن الأوضاع الداخلية قدمت المبرر المباشر للاحتلال في حين كانت الأسباب المنشئة والدافعة له تكمن في التوازنات الأوروبية التي سمحت باقتسام هذا الجزء من الإمبراطورية من دون مخاطر حرب شاملة بين القوى الأوروبية . وإذا كانت السياسة العثمانية قد بذلت تجاه مصر جهودًا متنوعة لإبقائها تحت سيطرتها ولمنع احتلالها بقدر الإمكان ، فإن هذه الجهود كانت أقل كثافة ونطاقًا تجاه دول شمال أفريقيا التي كانت السيادة العثمانية عليها اسمية أكثر منها فعلية منذ فترة طويلة قبل بداية احتلالها . هذا ونجد أن خبرة عملية احتلال تونس تضيف مع خبرة عملية احتلال مصر مدلولات مهمة بالنسبة لنوع من الترابط بين عواقب عملية التحديث من حيث زيادة التدخلات الخارجية ، وبين تدهور العلاقة مع المركز العثماني ، وبين الحدود التي كانت تضعها الدول الأوروبية وتتطلب ألا تتخطاها عمليات الإصلاح أو اتجاهات الاستقلال لدى الدول الإسلامية . ومن ثم فإن هذه الواسطة الثلاثية الأبعاد تعمّق أيضًا من مدلولات نظيرتها المتصلة بأوضاع المركز العثماني أيضًا كما سبق ورأينا . ب - الحركات القومية والحلقة الأخيرة من استعمار ما تبقى من الولايات العثمانية ( الشام ) : بدأ تأثير الأيديولوجية القومية على تفكيك أوصال الإمبراطورية العثمانية في البلقان ( منذ نهاية القرن الثامن عشر م وطوال القرن التاسع عشر م وحتى اندلاع الحرب البلقانية 1911 م - 1912 م ) . وقد اتسع نطاق تأثيرات « القومية » خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر م حيث امتدت إلى مناطق عربية تعرف وجود طوائف غير مسلمة وهي منطقة الشام أساسًا . فلقد بزغت منها ونمت في أرجائها حركة القومية العربية ؛ وإذا كان التوجه القومي لحركة هذه الطوائف ( المِلل ) قد بدأ يتضح منذ 1880 م قبل أن تتبلور بعد ذلك أبعاده السياسية في أوائل القرن العشرين م ، إلا أنه قبل هذا التاريخ لم تأخذ مطالب هذه الطوائف الدينية طابعًا قوميًّا . وهكذا في الوقت نفسه الذي كان يتم فيه احتلال دول عربية عسكريًّا بدأت بريطانيا وفرنسا وروسيا في توظيف أدوات مهمة للتدخل والتغلغل في مناطق عربية أخرى ، تمثلت أساسًا في الحركات

--> ( 1 ) أنظر التفاصيل في : د . ارجمند كوران : السياسة العثمانية تجاه الاحتلال الفرنسي للجزائر ، ترجمة د . عبد الجليل التميمي ، ط 2 ، 1974 ، ص ص 18 - 24 . د . حسن مؤنس : مرجع سابق ، ص ص 292 - 311 . ناصر الدين سعيد في : " طبيعة الكتابات التاريخية حول الفترة العثمانية عن تاريخ الجزائر " ، المجلة التاريخية المصرية ، مجلد 25 ، 1978 ، ص ص 149 - 157 . د . عبد العزيز الشناوي : ج 3 ، مرجع سابق ، ص 115 . د . رأفت الغنيمي الشيخ : مرجع سابق ، ص ص 89 - 90 . بيررينوفان : مرجع سابق ، ص 122 - 126 .