نخبة من الأكاديميين
321
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الإسلامية ولو بواسطة مراكز إسلامية أخرى غير الأناضول فإن هذا الفشل مهد الطريق أمام الحركات القومية العلمانية التي أينعت في القرن العشرين . هذا ، وتجدر الإشارة مقدمًا إلى أن هذه الحركات - وإن كانت قد أثارت التساؤل حول أبعادها القومية - إلا أنها ليست بالمعنى الذي ثار بالنسبة للحركات الأوروبية ، فهي استقلالية حقيقة ولكن وباستعارة مصطلح بعض « 1 » المؤرخين - فهي " وطنية إسلامية " وليست قومية انفصالية علمانية ، وهي وإن رفضت النظام العثماني السياسي أو الديني - لفساده وضعفه فقد كانت تريد إنشاء بديل إسلامي جديد يولد من خلال مركز قوة إسلامية أخرى غير العثمانية التي لم يعد بمقدورها القيام بدورها في حماية الإسلام ؛ أي من خلال قومية أخرى تصبح القوة المحرّكة للدولة الإسلامية الكبرى التي تجسد الأمةَ والخلافة . ويكمن فهم هذه الأبعاد على صعيد الممارسة في فهم العلاقة ببن القومية والإسلام لدى مفكري وفقهاء الإسلام . ولقد توصل التحليل إلى الخلاصة السابقة على ضوء تحليل مقارن بين المقولات المتضاربة حول دوافع وأهداف ونتائج حركات ثلاث كبرى هي : الوهابية السعودية ، حركة محمد علي ، ومماليك بغداد . ومن دون الدخول في تفاصيل نشأة وتطور الحركة الوهابية وأهدافها الدينية أو تفاصيل تطور اقترانها بالأسرة السعودية ومن ثم مراحل نشأة الدولة السعودية وتطورها صعودًا وهبوطًا « 2 » ، فإنه يجدر التوقف عند مجموعتين من المقولات المتضاربة حول بعدين أساسيين : أولهما : البعد العروبي في هذه الحركة السعودية المتحالفة مع الدعوة الوهابية . فإذا كانت الدوافع الدينية هي التي حركت الوهابيين فإن دوافع الأسرة السعودية تقتضي بعض التوقف والتساؤل ، فإذا كانت الدولة السعودية في توسعها قد صارحت الدولة العثمانية بالعداء والتحدي وعملت من أجل الاستقلال وألقت مسؤولية الهزائم أمام أوروبا على ضعف العثمانيين في شؤون دينهم ، ولكن هل كان يحرك هذه الأسرة في تحالفها مع هذه الدعوة أية دوافع عروبية بالرغم من أن هذا السؤال لم يحتلَّ وضعًا كبيرًا في الأدبيات بالمقارنة بما ثار حول حركة محمد علي . تجدر الإشارة إلى التناقضات الداخلية في مضمون بعض التحليلات ، فنجد بعضها يتحدث عن الحركة الوهابية باعتبارها أولى الإرهاصات الفكرية ذات الطابع العربي الإسلامي وأنها أعطت الدولة التي أقامتها في نجد بعدًا قوميًّا عربيًّا حينما اشترطت قرشية الخلافة وقدمت مثالًا يحتذى في الثورة على الحكم الفاسد ولو كان حكمًا مسلمًا ، كما يتحدث نفس المصدر عن الحركة أيضًا باعتبارها في الوقت نفسه مصدر إلهام للحركات والدعوات السلفية والتجددية الإسلامية الأخرى في القرن التاسع عشر م والتي جاءت استمرارًا للنهج الوهابي في الإصلاح الديني والثورة على الظلم والفساد وتأكيد الوعي القومي . ويرى مصدر آخر أنه بالرغم من افتقار الحركة الوهابية إلى أي اتجاه نحو الفكرة العربية إلا أنها كانت ثورة العروبة ؛ لأنها كانت ثورة على سيطرة الأفكار الفارسية والتركية التي أثرت على الإسلام منذ العصور الوسطى ، ويوضح مصدر ثالث صعوبة تبيُّن اتجاهات عربية في دعوة الشيخ محمد بن عبد
--> ( 1 ) د . حسين مؤنس : مرجع سابق ، ص 189 . د . سيار الجميل : مرجع سابق . L . C . Brown : op . cit . pp 63 - 64 . ( 2 ) حول تاريخ محمد بن عبد الوهاب وتطور الحركة الوهابية وتعاملاتها مع مصر والعثمانيين ، أنظر : د . عمر عبد العزيز : مرجع سابق ، ص ص 204 - 222 . د . رأفت الغنيمي الشيخ : مرجع سابق . ل . أ . سيديو : مرجع سابق : ص ص 512 - 519 . د . عبد الرحيم عبد الرحمن : الدولة السعودية الأولى 1745 - 1818 . ط 3 ، دار الكتاب الجامعي ، القاهرة ، 1979 ، ج 1 .