نخبة من الأكاديميين

318

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

أخرى من العالم الإسلامي لتدخلات أوروبية انتهت بالاحتلال أيضًا ومن أهمها القوقاز وآسيا الوسطى - إلا أن محور التحليل في هذا الجزء ينصب أساسًا على الولايات العربية حيث كانت مثلها مثل الولايات الأوروبية - العثمانية ( كما سبق ورأينا ) ساحة خصبة لدراسة أنماط التدخلات الأوروبية المختلفة في تفاعلها مع الدولة العثمانية في حين أن بقية الأرجاء الإسلامية تبلور على صعيدها نمطُ التدخل بالاحتلال المباشر أساسًا . واتساقًا مع أهداف التحليل النظمي ، يمكن التمييز بين عدة أنماط من التفاعلات وهي تعكس عدة أشكال للتدخلات الأجنبية باستخدام أدوات متنوعة ، وينخرط تحت كل منها نماذج من مناطق جغرافية مختلفة عبر مراحل زمنية متتالية . ويمكن رصد ثلاثة أنماط رئيسية هي : نمط التدخل في تفاعلات الحركة الاستقلالية عن المركزية العثمانية ، نمط التدخل المباشر بالاحتلال العسكري أو بمناطق النفوذ أو من خلال الصهيونية ، نمط التدخل باستغلال حركة القومية العربية . ولكن يجدر ملاحظة ما يلي : أولًا : نجد أن الأنماط الثلاثة من التدخل الأوروبي متداخلة في تطور الواقع التاريخي ؛ لأن بعض هذه النماذج يرتبط زمنيًّا بنماذج نمط آخر ، فمثلًا الحملة الفرنسية - وهي أحد نماذج نمط التدخل المباشر - إنما تفاعلت بعمق مع التمهيد لحركة محمد علي والإطار الدولي الذي أحاط بظهورها وتصفيتها . كذلك فإن الحركة المارونية الانفصالية في الشام وهي أحد نماذج النمط الأول - تحتوى بصورة أو بأخرى على الجذور الممهدة لمولد فكرة القومية العربية في الشام . . وهكذا وبالرغم من هذا التداخل الزمني فإنه يمكن القول من ناحية أخرى إن كلًا من هذه الأنماط الثلاثة قد غلبت على الأخرى في فترة محددة كما سنرى . وهكذا فإن التقسيم الثلاثي الأنماط يحقق أغراض التحليل الأساسية حيث يبرز ويبين التنوع في أدوات التدخل الأوروبي في العلاقات العثمانية - العربية من ناحية والتطور في استخدامها من ناحية أخرى ، عبر مراحل تطور التوازنات الأوروبية وتطور حركة الإصلاحات العثمانية . ثانياً : بقدر ما تنوعت أدوات التدخل الأوروبي بقدر ما تدرَّج - بانتظام وتنوعٍ - توظيفهُا ، فلقد عارضت في البداية وبقوة - الحركات الإصلاحيةَ الإسلامية ( السياسيةَ منها والدينية ) وساهمت في تصفيتها كما ساهمت من قبل في تدعيم الفجوة بينها وبين الدولة العثمانية ؛ وذلك تحقيقًا لهدف مزدوج ؛ وهو : استمرار ضعف الدولة العثمانية كمطلب أساسي للحفاظ على التوازنات الأوروبية وفي الوقت نفسه منع أية حركة إحياء إسلامية حقيقية ، وعلى العكس فقد ساعدت القوى الأوروبية بعد ذلك وبقوة - حركات الملل غير المسلمة وكذلك التيارات القومية العربية حيث كانت سبيلًا لتصفية الدولة بعد أن أضحى ممكنًا بل مرغوبًا - في ظل تطور طبيعة التوازنات الأوروبية - مثلُ هذه التصفية . وبين هذين النمطين كانت أداة الاحتلال العسكري سبيلًا مباشرًا للاستقطاع . إذن الخيط المشترك بين هذه الأدوات مزدوج الأبعاد ، فهناك - من ناحيةٍ - عملية التحول من