نخبة من الأكاديميين
306
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
بُعدٍ منه - في إهمال دراسة دور المتغيرات العثمانية الداخلية في هذا الصدد ، ويعكس ذلك تحيزًا يُعلي من قيمة دور الفاعل الأوروبي ويجسد الدولة العثمانية باعتبارها موضوعًا للتفاعلات الأوروبية أو باعتبارها مجرد فاعل سلبي يتلقى الأوامر الأوروبية ومحكومًا عليه بالدمار على يد القوميات الثائرة والقوى الأوروبية المترصدة . هذا ، ولقد سبق وبادرت مصادر غربية رائدة « 1 » في دراسة المسألة الشرقية ببيان أسباب ظهور هذا التحيز وكيفية علاجه . وأحد السبل لمعالجة هذا التحيّز لدى المنظور الأوروبي التقليدي لدراسة المسألة الشرقية هو محاولة فهم لماذا استمرت الدولة العثمانية لمدة طويلة ، وعلاقة هذا الاستمرار بحركة الإصلاحات والعلاقة بين الإصلاحات وبين القوى الداخلية المعارضة لها ؟ هذا ، وتنطلق دراستنا للإصلاحات العثمانية من الاعتراف باعتبارين أساسيين مرتبطين : الاعتبار الأول - أنها لم تكن حركة الإصلاح الوحيدة في العالم الإسلامي خلال القرن التاسع عشر م حيث ظهرت حركات أخرى في أرجاء العالم الإسلامي ؛ سواء تحت الهيمنة العثمانية ( مصر - الشام - تونس ) ، أو تحت حكم أجنبي ( الهند - آسيا الوسطى الإسلامية ) « 2 » . ومن ثم يجدر القول : إن الإصلاحات كانت أسلوبًا للمقاومة الإسلامية في أوائل مرحلة الهيمنة الأوروبية العالمية خلال القرن التاسع عشر م ، وهذه المقاومة جاءت من قادة الدول الإسلامية وصفوتها ( في حين أضحت المقاومة بعد ذلك ضد الاستعمار الأوروبي التقليدي للعالم الإسلامي في ظل المرحلة الثانية للهيمنة الغربية العالمية خلال القرن العشرين تنبع من قواعد أكبر للشعوب ) . ولكن كانت حركة الإصلاح العثمانية حركة محورية قامت في أكبر الدول الإسلامية ولم تقتصر انعكاساتها على المركز العثماني في الأناضول فقط أو على الشرق الأوروبي ، ولكن امتدت وبدرجات متنوعة إلى إرجاء العالم الإسلامي المختلفة . ومن هنا جاء اهتمامنا بأبعاد هذه الحركة في هذا الموضع دون غيرها من حركات الإصلاح الأخرى . الاعتبار الثاني - إن اهتمامنا بأبعاد هذه الحركة ( الدوافع والطبيعة والنتائج ) لا يلقي بنا في صميم السياسات والأوضاع الداخلية العثمانية فقط ، ولكن يقودنا - أيضاً - إلى صميم التفاعلات الدولية العثمانية التي تبلورت حول هذه الأبعاد . فبقدر ما كانت حركة الإصلاحات العثمانية تعبيرًا عن صورة من صور المقاومة غير العسكرية للهجمة الأوروبية ، وبقدر ما كانت عملية إدارتها تعبيرًا عن آليات حاسمة في إدارة العلاقات الدولية العثمانية ، بقدر ما أضحت نتائجها كما سنرى - تعبيرًا عن تحول خطير في شكل تنظيم الدولة العثمانية وفي العلاقات العثمانية - الأوروبية والعلاقات العثمانية - الإسلامية أيضًا . ومن هنا تأتي أهمية وخصوصية هذه الخبرة العثمانية بالنسبة للتنظير حول التفاعل بين الداخل والخارج في شأن هذه العمليات الإصلاحية المهمة . ولذا تثور من ناحية أخرى - عدة إشكاليات منهاجية مهمة . ومن أهم الإشكاليات التي تتضح من واقع المراجعة النقدية لمجموعة من الأدبيات العربية والغربية حول هذه القضية : التعقيد والغموض
--> ( 1 ) M . E . Yapp : op . cit . pp . 92 - 94 . ( 2 ) أنظر تحليلًا مقارنًا للحركات الإصلاحية المتزامنة في أرجاء العالم الإسلامي طوال القرن 19 م في : - M . G . Hodgson : op . cit . pp 221 - 240 .