نخبة من الأكاديميين

296

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

ج - - التفاعلات الدولية حول فارس : تداخل السياسات العثمانية والصفوية - القاجارية والأوروبية . شهدت الدولة الصفوية مع الشاه عباس الكبير ( 1588 - 1627 م ) ( 996 - 1038 ه - ) ، أزهى فتراتها ، فقد بذل جهودًا كبيرة لإعادة إصلاح الأوضاع الداخلية وبناء عناصر قوة الدولة حتى يتمكن من مواجهة التحديات العثمانية وتحديات الأوزبك ، وبالفعل حقق وكما سنرى - إنجازًا كبيرًا على هذين الصعيدين ، كما اتسمت فترة حكمه بنمو الأنشطة الدبلوماسية والتجارية مع القوى الأوروبية ، وبالرغم من أن جهوده ساهمت في استمرار الدولة الصفوية لمدة تقرب من قرن من بعده إلا أنها شهدت خلال هذا القرن عملية خبو مستمر في ظل حكام غير أكفاء . وجاء الخطر الخارجي الحاسم من الشرق على يد الأفغان الذين تزايدت قوتهم في أوائل القرن الثامن عشر م وأحكموا سيطرتهم على شرق فارس وحتى أسقطوا الدولة الصفوية 1722 م . وكان ظهور نادر خان الذي تحدى سلطة الأفغان نقطة تحول جديدة ، وبعده بدأت فارس من جديد مرحلة قوة وازدهار ولكن لفترة محدودة ، حيث استطاع نادر شاه أن يعيد حدود الإمبراطورية السابقة من خلال انتصاره على العثمانيين والأفغان والروس . ولكن بعد قتله تفكك ملكه ودخلت فارس مرحلة من التدهور حتى تكونت الدولة القاجارية ( 1795 - 1925 م ) ومع هذه الدولة تبدأ المرحلة الكبرى الثانية من تاريخ فارس ، حيث تحولت فارس مع هذه الدولة إلى مَلكية دستورية ذات حكومة تمثيلية برلمانية ، وكان العامل الحاسم في هذا التغيير هو الاتصالات مع غرب أوروبا وروسيا خلال القرن التاسع عشر م . وعدا المشاكل الداخلية التي كان على هذه الدولة مواجهتها فقد تعرضت لضغوط خارجية خطيرة أدت بها إلى الوقوع في أوائل القرن العشرين فريسة النفوذ الاستعماري بعد شبكة من التفاعلات العثمانية - الأوروبية - الفارسية « 1 » . ولقد ارتبطت هذه التطورات في الأوضاع الداخلية لفارس وانعكست على الأوضاع الدولية من حولها ، ويمكن أن نقسم هذه التفاعلات إلى ثلاثة محاور أساسية : محور شرق فارس وشمالها في آسيا الوسطى المسلمة وخاصة من جانب الأوزبك والأفغان ، محور غرب فارس في أراضي القوقاز وخاصة جورجيا وأذربيجان وداغستان وأرمينيا ، ومحور العراق . وكانت التفاعلات الأساسية في هذه المحاور مع أطراف مسلمة أساسًا وهم الأوزبك والأفغان والعثمانيون . وأثر على هذه التفاعلات بصورة مباشرة أو غير مباشرة في البداية كل من بريطانيا وروسيا حتى أضحى تأثيرهما فاعلًا ومباشر خلال القرن التاسع عشر م . بعبارة أخرى : بقدر ما تقدم لنا هذه التفاعلات الدولية حول فارس مدلولات حول العلاقات الإسلامية - الإسلامية فهي لا تنفصل عن العلاقات الإسلامية - المسيحية أيضًا « 2 » . وينبع اهتمامنا بالبحث في أنماط هذه التفاعلات المتداخلة وتأثيرها على توازنات القوى الإسلامية - الإسلامية ، والإسلامية - المسيحية ، من أن القوى الإسلامية الكبرى الثلاث المعنية دخلت معًا خلال القرن الثامن عشر م لحظة تاريخية مزدوجة الأبعاد . فمن ناحية : تزامن ضعف وتهاوي الصفويين

--> ( 1 ) أنظر تفاصيل التطورات السياسية والاجتماعية في : . tic . po ) sde ( ) srehto dna ( gnilissiK . I ) ni ( yrutneC ht 81 eht ni sdivafaS eht rednu narI : nuarB . H A . Lambton : " Persia : The Breakdown of Society " . In : P . M . Holt et . al ( eds ) : op . cit . pp 430 - 468 . ( 2 ) أنظر التفاصيل التاريخية التي تم منها استخلاص هذه الأنماط في : - د . أحمد الخولي ود . بديع جمعة : مرجع سابق ، ص‌ص 319 - 321 ، 362 - 368 . كارل بروكلمان : مرجع سابق ، ج 3 ، ص ص 156 - 160 . أحمد محمد الساداتي : أفغانستان والسيد جمال الدين الأفغاني ، ط 1 ، 1961 ، ص ص 41 - 44 . H . Braun : op . cit . pp 193 , 199 - 204 . - د . محمد عبد اللطيف هريدي : الحروب العثمانية - الفارسية وأثرها في انحسار المد الإسلامي عن أوروبا ، دار الصحوة ، القاهرة ، 1408 ه - - 1987 م ، ص ص 69 - 85 .