نخبة من الأكاديميين

277

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

جانب ، وتحليل العوامل التي أفرزت التقلص في القوة العالمية العثمانية من جانب آخر . هذا ويمكن أن نميز بين مرحلتين أساسيتين تقدمان لنا الإجابة عن السؤال التالي : كيف ولماذا حدث التطور في علاقة الدولة العثمانية بالنظام الأوروبي على النحو الذي مهد لاندماجها بوضعٍ تابعٍ بعد أن كانت تهدده كطرف تدخلي خارجي من وضع القوة ؟ المرحلة الأولى - تعثر الفتوح العثمانية وفشل توظيف التوازنات الأوروبية من أجل دفعها . بعد تصالح فرنسا مع إسبانيا في منتصف القرن السادس عشر م لإنهاء الصراع بينهما في أوروبا أضحت إنجلترا المتحدي الرئيس للهيمنة الإسبانية ، ومن ثم أضحت هدفًا للدبلوماسية العثمانية في مواجهة الهابسبورج ، وفي الوقت نفسه أخذت روسيا في شرق أوروبا - تلعب دورها في التوازنات لصالح الهابسبورج ضد العثمانيين . وقد لعبت العوامل المذهبية ( الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت ) إلى جانب العوامل السياسية والاقتصادية المتصلة بالصراع التجاري وصراع المستعمرات دورها في تشكيل هذه التوازنات « 1 » . وإذا كان السلطان سليمان القانوني استطاع أن يوظف صراع الهابسبورج والبوربون لصالح فتوحه في شرق أوروبا وحوض المتوسط ، إلا أن التحالف العثماني - الإنجليزي الجديد وحالة التوازنات في أوروبا خلال القرن السابع عشر م لم تسمح للعثمانيين بإعادة الكرَّة ، ويتضح ذلك جليًا من تحليل جولات الصدام المتتالية بين الدولة العثمانية والنمسا طوال هذا القرن . فمن ناحيةٍ أولى : لم يستطع العثمانيون إحراز نصر حاسم على النمسا يحُدث تحولًا في توازن قوى وسط أوروبا في الوقت نفسه الذي ظهرت فيه مشاكل داخلية عثمانية ، فضلًا عن استنفاد القدرات العثمانية على الجبهة الصفوية ، وكانت لغة معاهدة صلح ويستفارك 1606 مع النمسا ومضمونها بمثابة انعكاس لتأثير السياسات الدولية والأوضاع الداخلية العثمانية المتدهورة . ومن ناحية ثانية : تدعمت - خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر - أواصر العلاقات العثمانية - الإنجليزية ( امتيازات عثمانية جديدة « 2 » ، مساندة عسكرية بحرية إنجليزية ضد البنادقة ) لدرجة الحديث عن تحالف بين الطرفين ضد فرنسا وإسبانيا . ولكن هذا التحالف الذي جاء بمبادرة عثمانية - لم يؤتِ ثماره في مواجهة البندقية التي تلقت مساندة من كل القوى الأوروبية والبابا . ومن ناحية ثالثة : بالرغم من حركة الإصلاح الداخلية العثمانية - منذ بداية النصف الثاني من القرن السابع عشر م - والتي كسرت جمود الجبهة النمساوية ، إلا أن العثمانيين لم يحرزوا نصرًا ، وكان فشل " حصار فيينا " 1683 أبرز الدلائل على ازدياد أركان التحالف الأوروبي تماسكًا في مواجهة تجدد روح الفتوح العثمانية . فلقد كان " الحلف المقدَّس " الذي تكون 1684 م بعد فك الحصار عن النمسا - والذي شاركت فيه روسيا ، بمثابة أول خطوة جماعية لأوروبا لإخراج العثمانيين . ولذا كانت معاهدة

--> ( 1 ) انظر التفاصيل في - كارل بروكلمان : تاريخ الشعوب الإسلامية ، ترجمة نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي ، دار العلم للملايين ، بيروت 1949 . ج 3 ، ص ص 135 - 137 - محمد فريد ، مرجع سابق ، ص ص 256 - 257 H . Inalcik : the heday and decline . . . . op . cit . 336 - 337 - د . عبد الحميد البطريق : مرجع سابق ، ص ص 160 147 H . Inalcik : op . cit . p 33 - ( 2 ) أنظر نص المعاهدة في : J . c Hurewitz : The Middle East and North Africa in World Politics : A Documentary Record . Yale University Press . 1975 . V 1 . PP 8 - 10