نخبة من الأكاديميين
262
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الن - زاع يدفع بالمسألة المجرية إلى قلب السياسات الأوروبية . ولقد أدى تدخل سليمان القانوني عسكريًا في المرة الأولى ( 1526 - 1527 م ) ، وفي المرة الثانية ( 1541 - 1547 م ) للتمكين للطرف المجري المعادي للهابسبورج وذلك في مقابل دفع الجزية والاعتراف بالسيادة العثمانية ، وعلى العكس وبالرغم من ضعف رد فعل وعدم مساندة الممالك الأوروبية لملك النمسا حين حصار سليمان لها فإن عوامل أخرى ساهمت في فشل حصار فيينا وعلى رأسها ترك جزء كبير من المدفعية العثمانية في المجر بسبب وعورة الطريق وصعوبة الأحوال الجوية ، وقوة الدفاعات عن المدينة التي كان سقوطها سيفتح قلب أوروبا أمام العثمانيين . المستوى الثاني : استقواء أطراف أوروبية كبرى ( فرنسا ) بالدولة العثمانية في مواجهة نظائرها ( إسبانيا ) ومن ثم لعبت الدولة العثمانية دورها في تشكيل التوازن في أوروبا . فلقد رأى فرانسوا الأول ملك فرنسا أن الإمبراطورية العثمانية هي القوة الوحيدة التي تضمن استمرار الدول الأوروبية القائمة والمتنافسة مع الإمبراطور شارل الخامس الذي أحاطت إمبراطوريته بفرنسا من جميع الجهات عدا البحر ، في المقابل كان التحالف مع فرنسا في نظر العثمانيين يعد بمثابة حجر الزاوية في سياستهم الأوروبية من أجل مواجهة شارل الخامس الذي أعلن دائمًا أن هدفه الأساس هو القضاء على الدولة العثمانية ، والذي كان ينظم مقاومة الزحف العثماني على النمسا وقلب أوروبا وفي حوض المتوسط أيضًا . ومن ثم فإن معاهدة 1535 - 1536 م التي عقدت بين فرانسوا الأول وسليمان القانوني قد حظيت باهتمام كبير من جانب دارسي العلاقات الدولية الإسلامية . ولقد اعتبرها البعض « 1 » نقطة تحول أساسية في إدارة العلاقات الدولية الإسلامية حيث أوضحت اتجاه المسلمين إلى تبني مبدأ " العلاقات السلمية مع المسيحيين " ، وهي النقطة التي تلتها خطوات أخرى في عصور متتالية بينت جميعها وفق هذا المصدر - ابتعاد المسلمين عن النظرية التقليدية الشرعية في العلاقات الدولية وهي النظرية التي تقوم على أساس الجهاد ورفض الاعتراف بالدول غير الإسلامية ورفض تدخل القوى الخارجية في الشؤون الداخلية للدول الإسلامية ورفض امتداد الصلح مع غير المسلمين لأجل يتعدى عشر سنوات . إلا أن النظر إلى هذه الواقعة في سياقها التاريخي الكلي السابق على حدوثها والتالي يبرز لنا مدلولات أخرى لهذه الواقعة : فلقد كان هدف السياسة العثمانية في هذه المرحلة إضعاف الهابسبورج وإبقاء أوروبا مقسمة والحيلولة دون شن حرب صليبية جديدة موحدة ضدها ، وكان التعاون مع فرنسا سبيلها الأساس إلى هذا ، وإلى جانب الصراع الديني الذي تفجر في أوروبا كانت فرنسا هي الطرف الأساس الذي استحث سليمان على الهجوم على المجر والنمسا ، وشاركت في الجولات العسكرية ضد شارل الخامس وأخيه وخاصة في حوض المتوسط كما سنرى - ؛ وذلك لزيادة الضغط على إمبراطور إسبانيا ليخفف الضغط بالتالي - عن فرنسا . وقد استجاب سليمان لهذا التحالف خاصة بعد فشل حصاره الأول لفيينا
--> ( 1 ) J . Piscatorie : Islam in a World of Nation State . Royal Institute of International Affairs . London 1986 . pp 50 - 62 . Majid Khadouri ; " The Islamic Theory of International Relations and its Contemporary Relevance " . In : Harris Proctor ( ed ) : Islam and International Relation . Praeger , New York 1965 , pp 33 - 35 .