نخبة من الأكاديميين

260

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

وإلى جانب مؤشر الفتوحات والسيادة العسكرية كانت هناك مؤشرات أخرى على تفوق مركز الدولة العثمانية في النظام الدولي آنذاك ، ومن أهم هذه المؤشرات كانت " التقاليد الدبلوماسية " . فمثلًا كان التمثيل الدبلوماسي بينها وبين دول أوروبا من جانب واحد حيث كانت لا ترسل سفراء إلى هذه الدول ، كما كانت شروط استقبال سفراء هذه الدول في العاصمة العثمانية تعكس عدم المساواة بين العثمانيين وبين هذه الدول . ومن أهم المؤشرات أيضًا على تفوق الدولة العثمانية دورها المؤثر على العلاقات بين الدول الأوروبية الكبرى حيث أضحت عاملًا أساسيًا في توازن القوى الأوروبية ، ولقد استقوت بعض هذه الدول ( فرنسا ) بالدولة العثمانية في مواجهة غيرها من القوى الأوروبية ( إمبراطورية شارل الخامس ) المتنافسة على السيادة في أوروبا « 1 » . ومن ثم فإن سمة مهمة من سمات التفاعلات الدولية الإسلامية في هذه المرحلة والمراحل التالية أيضًا - هي التداخل بين نظام التفاعلات العثمانية - الأوروبية على ساحة أوروبا وبين نظائرها على ساحة الأنساق الفرعية الدولية الإسلامية ( في حوض المتوسط ، شمال أفريقيا ، في المحيط الهندي والبحر الأحمر وفي آسيا ) ؛ وذلك نظرًا للتداخل بين التوازنات الأوروبية - الأوروبية ( الفرنسية الإسبانية بصفة خاصة في هذه المرحلة ) من ناحية ، وبين التوازنات بين القوى الإسلامية العثمانية والصفوية بصفة خاصة من ناحية أخرى . حيث إن الحروب العثمانية - الصفوية وإن لم تحسم الصراع بين الطرفين إلا أنها كانت مجالًا أبرز نمطًا آخر للتحالف مع الطرف الأوروبي ألا وهو تحالف الصفويين مع الأوروبين المعادين للتحالف العثماني الفرنسي . ولقد تبلورت هذه التفاعلات المتداخلة أثناء سعي الدولة العثمانية لتدعيم ومد نطاق توسعاتها وذلك لتحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية كبرى : تأمين حدودها الشمالية الغربية وتوسيع نطاق نفوذها نحو قلب أوروبا ، وتحقيق السيادة البحرية في حوض المتوسط ، والحفاظ على توازن مستقر مع الصفويين إن لم يمكن القضاء عليهم . ولقد ترتب على هذه الأهداف أن ارتبطت محاور الحركة العثمانية في أرجاء العالم مع بعضها البعض على نحو أبرز كيف أن الدولة العثمانية أضحت في هذه المرحلة محور الحركة العالمية وفاعلًا أساسيًا في التفاعلات الدولية ، فلقد استطاعت وبنجاح إدارة الصراع مع الأطراف المسيحية على صعيد جميع محاور هذه الحركة . هذا وستتم دراسة هذه التفاعلات التي حدثت خلال القرن العاشر ه - ، السادس عشر م الذي برزت فيه هيمنة الدور العثماني العالمي على مستويين : مستوى التفاعلات العثمانية الأوروبية على ساحة أوروبا وفي البحر المتوسط ، ومستوى التفاعلات العثمانية - الصفوية ، والعثمانية - المغولية في ارتباطاتها بالتوازنات الأوروبية - العثمانية حول البحار الجنوبية وآسيا . وهذا المستوى الأخير يتضمن أبعاد الدور العثماني في أحد الأنساق الفرعية الإسلامية وهو آسيا الوسطى والقوقاز وفي مواجهة إحدى القوى الأوروبية الصاعدة ؛ أي روسيا .

--> ( 1 ) حول هذه المؤشرات انظر : تلخيص التاريخ العثماني ، تعريب : شاكر الحنبلي : المكتبة الهاشمية ، القاهرة ، 1331 هأ ، ص 55 . M . G . Hodgson : op . cit . P . 113 . محمد جميل بيهم : فلسفة التاريخ العثماني ، مطبعة مكتبة صادر ، بيروت 1952 ، ص ص 294 - 295 . برنارد لويس : مرجع سابق . أنظر على سبيل المثال نص خطاب سليمان القانوني ردًا على خطاب ملك فرنسا عند استنجاد الأخير به 1526 م في : محمد فريد : مرجع سابق ، ص ص 209 - 210 ، ( نقلًا عن ترجمة الجزء الأول من تاريخ جودت باشا ) . Halil Inalcik : The Emergence of the Ottomans . In : P . M . Holt . Et . al . Cam - bridge History of Islam . The Cambridge Universty Press , Cambridge 1970 . Vol . 1 . p 290 .