نخبة من الأكاديميين

228

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

العثمانيين بخدمة مصالحهم وليس مصالح الإسلام « 1 » ، واتهام المماليك بعدم التعاون مع العثمانيين لمواجهة البرتغاليين ) « 2 » ، فإنه يمكن النظر إلى القضية بمنظار آخر محوره كيفية حماية مصالح الأمة وعلى ضوء طبيعة توازنات القوى الإسلامية - الإسلامية ، وفي ما بين المسلمين وغير المسلمين في بداية القرن العاشر ه - - السادس عشر م . وبهذا الصدد يمكن أن نورد الملاحظات التالية : 1 - لم يكن بوسع المماليك الاستمرار في مقاومة البرتغاليين ليس نظرًا لعدم مساعدة العثمانيين فقط ، ولكن نظرًا لاستحكام حلقات الضعف الداخلي الذي أصاب دولة المماليك خلال القرن التاسع ه - ، وأضحى يحول دون استمرارها في دورها القيادي السابق . 2 - اقتضت مواجهة الخطر البرتغالي تكاتف الدول الإسلامية الكبرى وهو ما لم يحدث . وكان على أكثر هذه الدول قوة التحرك للتصدي لأعباء هذه المواجهة حتى ولو عن طريق إعادة تشكيل توازنات القوى الإسلامية ، وهذا هو ما نفذه العثمانيون . ومن ثم كان التحرك العثماني نحو دولة المماليك التي تزايد ضعفها وعدم قدرتها على التصدي - « 3 » هو حماية للإسلام وليس حماية لمصالح العثمانيين فقط . أو بعبارة أخرى : تطابقت في هذه المرحلة استراتيجية أقوى الدول الإسلامية مع متطلبات حماية الأمة من خطر خارجي . 3 - ومن ثم ، فإنه مهما كانت الاختلافات بين التحليلات « 4 » حول نوايا السلطان سليم الأول والسلطان الغوري وتكتيكاتهما في مواجهة بعضهما البعض ، فإنها جميعًا من قبيل التفصيلات التي لا يمكن أن تخفي عدة حقائق أساسية مترابطة تتصل بأبعاد العلاقة بين كيفية إعادة تشكيل توازن القوى الإسلامية وبين عامل الخطر الخارجي على العالم الإسلامي . فإذا كان التحرك العثماني نحو الجنوب قد أثار على صعيد العلاقات الدولية الإسلامية كل إشكاليات تحقيق وحدة الدول الإسلامية عن طريق " الضمّ " ، فإن هذه الحالة التي تعد نمطًا طبيعيًا من الممارسات في هذه المرحلة سواء بالنسبة للمسلمين أو غيرهم - كان لها مبرراتها ودوافعها وأهدافها والعوامل التي ساعدت على نجاحها على نحو يبرز بدرجة مهمة أثر عامل الخطر الخارجي على العلاقات الإسلامية - الإسلامية ، كما يبرز حتمية وضرورة التعاقب في مراكز القوة الإسلامية التي تقدر على تحمل أعباء قيادة الأمة في مواجهة أعدائها . وعلى ضوء كل ما سبق فإنه عند النظر في مسألة التحول في التوسع العثماني نحو الجنوب لا يمكن أن نكتفي بتفسير أحادي الأبعاد « 5 » ( مواجهة الشيعة ، أو شخصية سليم الأول ، وتغلب العنصر التركي على العرب ، أو صعوبة التوسع العثماني في أوروبا ، والتصدي لأطماع البرتغال والأسبان ) . ولهذا فإن التفسير الأصوب هو ما يأخذ في الاعتبار بدرجات متكاملة مختلف هذه الأبعاد ولكن مع التمييز بين ثلاثةٍ أمور : التوجهات والأهداف الاستراتيجية العثمانية من ناحية ، العوامل المبررة لهذا التوسع من ناحية أخرى ، والعوامل والظروف التي هيأت نجاحه من ناحية ثالثة . فمن ناحية : مما لا شك فيه أن الدولة العثمانية بعد مرحلة التوسع الأوروبي كانت قد وصلت إلى مرحلة لابد وأن تنعكس في شكل توجهات وأهداف استراتيجية ذات نطاق عالمي وليس إقليميًّا فقط .

--> ( 1 ) - أنظر على سبيل المثال : - د . مصطفى رمضان : مرجع سابق ، ص 89 . - د . مصطفى عبد اللطيف البحراوي : مرجع سابق . - د . سعيد عبد الفتاح عاشور : الأيوبيون والمماليك . . مرجع سابق ، ص ص 335 - 338 . - الشاطر البصيلي عبد الجليل : الصراع بين الدولة العثمانية وحكومة البرتغال في المحيط الهندي وشرق أفريقيا والبحر الأحمر ، مجلة الدراسات التاريخية ، مجلد 12 ، 1964 - 1965 ، ص ص 133 - 143 . ( 2 ) - أنظر على سبيل المثال : - محمود شاكر : مرجع سابق ، ص ص 90 - 91 . ( 3 ) - حول المزيد من التفاصيل عن هذه الأوضاع والأسباب المتراكمة لسقوط المماليك انظر : - د . سعيد عبد الفتاح عاشور : مرجع سابق ، ص ص 325 - 326 . - د . فاروق عثمان أباظة : مرجع سابق ، ص ص 36 - 67 . - د . علي عبد العليم أبو هيكل : مرجع سابق ، ص ص 28 - 29 . - جورج كيرك : مرجع سابق ، ص ص 81 - 82 . - P . M . Holt : op . cit , pp . 198 - 199 . - G . Hogdson : op . cit , pp . 418 - 422 . ( 4 ) - أنظر التفاصيل نقلًا عن مصادر أولية وخاصة ابن إياس في : - د . سعيد عبد الفتاح عاشور : مرجع سابق ، ص ص 335 - 340 . - د . عمر عبد العزيز : مرجع سابق ، ص ص 74 - 80 . - محمد فريد : مرجع سابق ، ص ص 192 - 195 . - محمد عبد المنعم الواقد : مرجع سابق ، ص ص 192 - 195 . - J . Saunders : op . cit , p . 53 . - P . M . Holt : op . cit , pp . 200 - 202 . ( 5 ) - أنظر تحليلًا موجزًا لهذه الاجتهادات المختلفة والمردود عليها في : - د . رأفت الغنتيمي الشيخ : تاريخ العرب الحديث المعاصر ، دار الثقافة ، القاهرة 1407 - 1986 ، ص ص 33 - 41 . - د . محمد أنيس : مرجع سابق ، ص ص 102 - 103 .