نخبة من الأكاديميين
219
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
وبين العثمانيين والقوى البحرية الأوروبية الجديدة على نحوٍ فتح صفحة جديدة في دور الجهاد العثماني ؛ وهو الجهاد البحري في البحار الجنوبية أولًا ، ثم في المتوسط ، خاصة بعد ضم مصر . وقبل الانتقال إلى تفصيل أبعاد هذين الدورين تجدر الإشارة إلى أنّه إذا كانت الهجمة المسيحية الجديدة على العالم الإسلامي قد انطلقت من أقصى الغرب في الأندلس ملتفَّةً حوله من الجنوب في نهاية القرن الخامس عشر م ، فإن الاستعداد كان ينضج في هذه الآونة نفسها لعملية هجوم أخرى انطلاقًا من الشرق بواسطة روسيا القيصرية ؛ وهي العملية التي بدأت كما رأينا منذ منتصف القرن الخامس عشر م بعد تفكك الإمبراطورية التيمورية ، التي تبلورت أبعادها المؤثرة في التوازنات الإسلامية - المسيحية مع نهاية القرن العاشر ه - - السادس عشر م كما سنرى في ما بعد عند تحليلنا للصدام الروسي - العثماني وانعكاسه على التفاعلات الأوروبية - العثمانية ، والتفاعلات العثمانية مع إمارات وسط آسيا . ( 1 / أ ) الهجوم الإسباني على شمال أفريقيا وبداية تصفية الوجود الإسلامي في الأندلس بعد سقوط غرناطة دخل عصر الإسلام في الأندلس ما يُسمَّى مرحلة الاضطهاد والتنصير التي انتهت بالرحيل النهائي للمسلمين عن الأندلس عام 1018 ه - ، ولقد اقترنت هذه المرحلة بالضعف الشامل والتفكك الذي أصاب دول المغرب الإسلامية ، وانتهى هذا الوضع الذي ظهر في بداية القرن السادس عشر م بالقضاء خلال النصف الثاني من القرن على هذه الدول ( الحفصية بنو عبد الواد - بنو مرين - بنو وطاس ) ، والتي سبق ومارست دورها في العلاقات الأندلسية المسيحية لما يزيد على الثلاثة قرون . وقد كان لهذا التزامن بين انحلال المغرب وتفككه منذ نهاية القرن العاشر ه - وبين توحد القوى الأسبانية « 1 » ، وبين سقوط غرناطة آخر معاقل الوجود الإسلامي في الأندلس ، تأثيره على مصير هذه المنطقة من العالم الإسلامي شمال وجنوب غربي المتوسط ؛ حيث طغى عليها الدور الأسباني في البداية ثم الصدام العثماني - الأسباني خلال القرن السادس عشر . ففضلًا عن بداية عهد الانتقام من الموريسكيين ( مسلمي الأندلس ) بإكراههم سواء على التنصُّر أو القتل أو الخروج من البلاد « 2 » ، فقد انتقل الهجوم الإسباني إلى شمال أفريقيا ، وكان له دوافعه وأهدافه ومن أهمها « 3 » : الانتقام من موانئ المغرب العربي التي انطلقت منها هجمات المهاجرين الاندلسيين ضد السفن الإسبانية ، الاستيلاء على سواحل المتوسط الجنوبية لتأمين حماية شبه جزيرة إيبريا ولمواجهة القوة العثمانية البحرية البازغة التي أحكمت السيطرة على شرق حوض المتوسط في بداية القرن العاشر ه - ، السادس عشر ه - . ولقد حقق الاسبان في سنوات 1494 م - 1511 م نجاحات متتالية في السيطرة على جميع النقاط الساحلية في وسط شمال أفريقيا . ولكنهم لم يندفعوا إلى الداخل نظراً لانجذابهم في سنوات إلى الميدان الأوروبي مع تصاعد التنافس الاسباني - الفرنسي وخاصة مع تولي شارل الخامس وتأسيسه إمبراطورية الهابسبورج ، وهي القوة التي تصارعت مع العثمانيين بعد ذلك في المتوسط . ولكن ماذا عن سياسات دول المغرب العربي والسياسات المملوكية والعثمانية تجاه هذه التطورات ؟
--> ( 1 ) - أنظر التفاصيل في : - د . رجب محمد عبد الحليم : مرجع سابق ، ص ص 131 - 231 . - محمد عبد الله عنان : نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين ، مرجع سابق ، ص ص 55 - 85 . ( 2 ) - حول تفاصيل هذه الأحداث وأبعاد الصراع بين الموريسكيين وبين إسبانيا ودلالاتها بالنسبة لنهاية ما يسمى سياسة التسامح ، انظر - شكيب أرسلان : مرجع سابق ، ص ص 295 - 296 . - محمد العروسي المطوي : مرجع سابق ، ص ص 250 - 251 . - عادل سعيد البشتاوي : مرجع سابق ، ص ص 10 - 21 . - أنطونيو دومبتقير هورتز ، برناد بنثنت : تاريخ مسلمي الأندلس : الموريسكيون ، حياة ومأساة أقلية ، ترجمة : عبد العال صالح طه ، دار الإشراق ، قطر ، ط 1 ، 1408 - 1988 ، ص ص 13 - 26 . ( 3 ) - د . صلاح العقاد : المغرب في بداية العصور الحديثة ، معهد الدراسات العربية العالية ، القاهرة 1963 ، ص 33 . - محمد العروسي المطوي : مرجع سابق ، ص 262 . - د . زاهر رياض : مرجع سابق ، ص ص 60 - 64 . - Andrew Hess : " The Ottoman Conquest of Egypt and the Beginning of the Sixteenth Century World War " . International Journal of Middle East Studies . N . 4 . 1973 ; pp . 60 - 61 .