نخبة من الأكاديميين

210

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

فماذا كان مدلول صِدام تيمور لنك مع هاتين القوتين ؟ اندحر كل منهما أمامه ، وذلك نظرًا لعدم تعاونهما في مواجهة الخطر المشترك . ويتضح لنا من دراسة تطور تفاعلات كل منهما مع الهجمة « 1 » كيف أن تيمور لنك تجنّب الصدام مع القوتين في آن واحد ، وكان تغلبه على المماليك في الشام هو الخطوة الأولى نحو العثمانيين الذين وجه إليهم ضربة في وقت حاسم من إتمام سيطرتهم على آسيا الصغرى ومن فتوحهم في أوروبا ( معركة نيكوبوليس ) ، كما يتضح لنا أيضًا من هذه التفاعلات جذور العلاقة التنافسية المتنامية بين مركزي القوة الإسلامية المملوكية والعثمانية ، فبدلًا من التعاون والتخطيط في مواجهة الخطر المشترك تصاعدت الأعمال العدائية المتبادلة بينهما . إذن كيف أثرت نتائج هذه الهجمة على القوى الإسلامية وعلى توازنها وعلى العلاقات الإسلامية - المسيحية ؟ لم تكن هذه النتائج قصيرة الأجل فقط بقدر ما كانت ذات امتدادات طويلة ، فكان لهذه الهجمة آثار اقتصادية مهمة على القوة المملوكية حيث أنهكت مواردها ؛ ومن ثم بدأ مسلسل الضعف الاقتصادي الذي تجسَّد بعد ذلك بشدة وترتبت عليه آثار مهمة على رأسها السياسات الاحتكارية التجارية التي طبّقها المماليك على طريق التجارة بين الشرق والغرب المارّ بمصر . وكان ردّ فعل الغرب تجاهها هو الكشوف الجغرافية والالتفاف حول قلب العالم الإسلامي من الجنوب منذ نهاية القرن الخامس عشر م ( كما سنرى ) . ومن ناحية أخرى : لم تؤدِّ آثار الهجمة إلى تأخر نمو القوة العثمانية فقط بل دمرت عناصرها الأساسية في وقت حاسم من الفتوح العثمانية في أوروبا ، وبذلك حالت نتائج هذه الهجمة دون موجة جديدة من الفتوح ولمدة تزيد عن نصف قرن . ومن ناحية ثالثة : أدى قضاء تيمور لنك على دولة القبيلة الذهبية ومن ثم تفكك أرجائها وتنافس أمرائها ، إلى نهاية السيطرة الإسلامية على روسيا على نحو فتح السبيل أمام القوة الروسية لتنمو باعتبارها قوة مسيحية كبرى في الشرق ، وقد ساندت هذه القوة الدولةَ البيزنطية في نزاعها الأخير في مواجهة العثمانيين . وبعد سقوط القسطنطينية أضحت روسيا وريثة المسيحية الأرثوذكسية ، وتصاعد صدامها تدريجيًا مع العثمانيين خاصة منذ مولد " الدولة الروسية الحديثة " في القرن السابع عشر م . وإذا كانت النتائج السابق تحديدها ذات آثار سلبية طويلة المدى على علاقات القوى الإسلامية - المسيحية ، فتجدر الإشارة إلى أنه قد ثارت مجموعتان أساسيتان من التساؤلات حول تقييم هجمة تيمور لنك . تتصل مجموعة الأسئلة الأولى بمدى شرعية أعمال تيمور لنك وصدق إسلامه على ضوء أعماله التدميرية والوحشية ضد المسلمين والدول الإسلامية وذلك إلى جانب الأسئلة المتصلة بدوافعه السياسية ، أي توحيد المغول وتدعيم مكانتهم « 2 » . وتدور الثانية حول نتائج اتجاه بعض الدول المسيحية وخاصة الدول البيزنطية - للتحالف مع تيمور لنك ضد العثمانيين والمماليك « 3 » ؛ حيث لم يتضح في أي مصدر تاريخي ما يدل على استجابة تيمور لنك لهذه المساعي : لماذا ؟ وهل كان يمكن أن يحدث العكس ؟ وكيف كانت ستكون النتيجة إذا ما تحالف تيمور لنك المسلم مع المماليك والعثمانيين في

--> ( 1 ) - أنظر التفاصيل التي ساعدت على التمييز بين هاتين المرحلتين في : - محمود شاكر : مرجع سابق ، ص ص 75 73 ، 204 203 - د . أحمد عبد الكريم سليمان : مرجع سابق ، ص ص 19 17 . - د . سعيد عبد الفتاح عاشور : الأيوبيون والمماليك . . . مرجع سابق ، ص ص 303 298 . - د . إبراهيم طرخان : مصر في عصر المماليك الشراكسة 1382 م 1517 م ، النهضة العربية ، القاهرة 1960 ص ص 82 73 . - د . حكيم أمين عبد السيد : مرجع سابق ، ص ص 125 - 150 . ( 2 ) - حول الأراء التقييمية المختلفة في الإجابة على هذه الأسئلة انظر : - S . M . Imamuddin : Modern History of the Middle East and North Africa , Najma Sons , Dacca ( East Pakistan ) , 1960 , the ntroduction . - محمد جميل بيهم : مرجع سابق ، ص ص 187 183 . - د . أحمد عبد الكريم سليمان : مرجع سابق . - J . Glubb : op . p 452 453 . - د . رجب محمد عبد الحليم : مرجع سابق ، ص ص 245 - 250 . ( 3 ) - محمد جميل بيهم : مرجع سابق ، ص 189 - 190 .