نخبة من الأكاديميين
195
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
عملية الاستقطاع في آسيا بواسطة موسكو من ناحية أخرى ، وتصاعدت الهجمة الأوروبية على الدولة المملوكية من ناحية ثالثة . المرحلة الرابعة : تبين السقوط المملوكي والتفاعلات العثمانية المملوكية - الصفوية التي أحاطته وذلك في ظل تحرك العثمانيين نحو الجنوب في الوقت الذي دخلت فيه الهجمة الأوروبية الثانية على العالم الإسلامي منحى خطيرًا مع " الكشوف الجغرافية والالتفاف من الجنوب " . إن التفاعلات السياسية والعسكرية التي شهدتها هذه المراحل الأربع ، كانت بمثابة الإطار الذي احتضن وأحيانًا أخفى في طياته - شبكةً من التفاعلات الحضارية جرت سواء في وقت السلم أو الحرب . وهذه التفاعلات أفرزت أنماطًا مهمة ، كما ألقت الضوء على قضايا محورية في العلاقات الإسلامية - الأوروبية . ومن أهم هذه الأنماط : كيف أنه يتولد من قلب الصدام العسكري ومن حوله أنماطٌ من الاحتكاك المباشر الفكري والاجتماعي والسلوكي ؟ ومن أبرز هذه الأنماط مع اختلاف دلالة كل منها - الوجود الصليب - ي في الشام وأثاره بالنسبة للاحتكاك المباشر أو التعارف المباشر بين الشرق والغرب على أرض الإسلام ، عمليات الاسترداد الأسبانية والروسية وما خلفته بالنسبة للتركيبة الدينية والإثنية ، - العلاقات السلمية التجارية بين المماليك والممالك والإمارات الأوروبية المتوسطية ، الأبعاد الحضارية في الفتوح العثمانية في شرق أوروبا والبلقان والآثار الحضارية للهجمات المغولية . ومن أهم القضايا التي طرحتها هذه الأنماط من التفاعلات الحضارية التي تولدت من رحم التفاعلات السياسية والعسكرية ، قضية العلاقات السلمية والتعاونية بين المسلمين والأوروبيين من حيث أنواعها ومجالاتها وتطور شروط تنظيمها في ظل تطور الفقه التقليدي بشأنها . وتقدم العلاقات المملوكية - الأوروبية نماذج متعددة عن أبعاد هذه القضية . فإلى جانب القدرة العسكرية المملوكية توطدت شبكة ممتدة ومتفرعة من العلاقات الدبلوماسية والتجارية « 1 » وهذه القضية تطرح كل أبعاد الفقه الخاص بالجهاد . فالجهاد لا يعني فقط القتال فهو لا يستبعد الأدوات الأخرى لإدارة العلاقات ، وفق ما تقتضيه المصلحة الشرعية للأمة . كما أن هذه العلاقات السلمية التعاونية لا تكون مجرد واقع يفرضه ضعف قوة المسلمين لأن العصر المملوكي - ومن قبله العباسي والأموي ، ومن بعده العثماني - أفرز أنماطًا من العلاقات السلمية التعاونية في أقصى مراحل قوة وتفوق الدولة الإسلامية لدرجة دفعت البعض « 2 » لوصف هذه الحالة بانتهاء الجهاد الدائم في التفاعلات المملوكية - الأوروبية . ولقد كان تنامي حقوق التجار الإفرنج في الدولة المملوكية - بعيدًا عن قواعد الفقه التقليدي لتنظيم هذه الحقوق ، من أبرز الأمثلة على تلك الحالة من ناحية . ومن ناحية أخرى كان هناك تزايد في أعمال العنف ضد أهل الذمة كلما تزايدت الغارات الإفرنجية على سواحل مصر وحصارها وضرب تجارتها بالأدوات الاقتصادية لذلك العصر ( وخاصة أعمال القرصنة ) . وفي المقابل فإن التفاعلات الإسلامية - الإسلامية قدمت ساحة لاختبار مفهوم وحدة الأمة . حيث إن الصراع بين العرب وغير العرب ( الترك والفرس ) ، وكذلك الحروب بين الأسر الحاكمة ، ناهيك عن
--> ( 1 ) - أنظر إشارة إلى هذه العلاقات وما ارتبط بها من ملابسات ومكاتبات في الموسوعة التي تعد مصدرًا لنوع خاص من تاريخ الدولة المملوكية من داخلها وفي تفاعلاتها مع الأطراف الأخرى : - أبي العباسي أحمد القلقشندي : صبح الأعشى في صناعة الإنشا ، مطبعة دار الكتب المصرية ، القاهرة 1340 ه - - 1922 م ( 14 جزء ) . - وانظر بصفة خاصة المقال الرابع ( الباب الثاني ) ، والمقالة التاسعة ( أبوابها الخمسة ) . - وانظر تحليلًا لمضمون هذا الكتاب في : - محمود عنان : مؤرخو مصر الإسلامية في القرن 15 م . ( 2 ) ( ) P . M . Holt : The age of the Crussads . Ch . 18 .