نخبة من الأكاديميين
19
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الأخير ( النعمان الثالث ) وقتله ، وتعيين أمير من « طيء » مكانه ، أكثر انصياعاً للهيمنة الفارسية . كذلك فإن شأن الغساسنة في اعتناقهم المذهب المونوفيزيقي ( اليعقوبي ) السائد في الشام ( الطبيعة الواحدة الآلهية ) ، تميزاً عن « الملكية » مذهب البيزنطيين ( الطبيعتان الإلهية والبشرية للمسيح ) ، مما كان يجرّ إلى خلافات معهم ، ولعل الألعاب التشريفية التي حازها أمراء الغساسنة ، تعبّر عن أهمية الدور الذي شغلوه في خدمة المصالح البيزنطية ، بعد أن شارك الحارث بين جبلة في حملتي القائد بلزاريوس ضد الفرس ( 531 / ، 541 م ) ، وحقق انتصاراً كبيراً على حلفائهم اللخميين ( 544 م ) « 1 » ، متوّجاً ذلك في ذهابه إلى القسطنطينية للتفاوض بشأن اختيار ابنه المنذر خليفة له « 2 » . ولكن العلاقة بين الغساسنة والبيزنطيين شابها فتور بعد الحادث ، سرعان ما تحوّل إلى قطيعة مع المنذر ، مما أدى إلى تفاقم الخلاف المذهبي بين الطرفين ، وقيام الأخير بشق عصا الطاعة على حلفائه ، حيث غادر مقره إلى البادية ، وظلّ في منفاه حتى تمكن البيزنطيون من القبض عليه واقتياده أسيراً إلى القسطنطينية « 3 » . وتبقى العلاقات العربية البيزنطية ظاهرة بارزة في تاريخ ما قبل الإسلام وما بعده ، حيث كانت الشام محورها ونقطة ارتكازها ، لما تمثّله عن أهمية اقتصادية ، سوقاً كبيرة للتجار العرب ، ونافذة واسعة للبيزنطيين على عالم شبه الجزيرة التي ما أنفكت تجذب انتباههم للسيطرة على مواردها وطرق مواصلاتها . بيد أن البيزنطيين ، وربما اعتبروا بالتجارب السالفة ، لا سيما بمحاولة الرومان الفاشلة لاجتياحها ، اعتمدوا وسائل أخرى غير مباشرة لتحقيق أهدافهم في هذا المجال . فشجعوا الهجرة العربية إلى الشام ، حيث انعقدت ريادتها حينذاك لقضاعة ، أولى القبائل المتنصّرة من العرب الجنوبيين ، ومنها « أول الملوك بالشام » ، حسب تعبير ابن حبيب « 4 » . ولكن الهجرة الأكثر حضوراً ، تمثّلت بأحد فروع الأفخاذ ، من المجموعة اليمنية نفسها ، أي الغساسنة ، الذين فرضوا وجودهم بعد القضاء على حكم الضجاعمة ( من قبائل سليح ) ، واصطدامهم بالبيزنطيين في البلقاء « 5 » ، قبل أن يعترف هؤلاء بهم ، قوةً رادعة على تخومهم ، أو ما عُرف كما سبقت الإشارة بالحاضر الذي تجلّت وظيفته ، ليس فقط في التصدّي لحلفاء الفرس ( المناذرة اللخميين ) ، ولكن أيضاً في تنظيم الأسواق ومراقبة حركة القبائل المنتشرة جنوباً ، ومن أبرزها حينذاك إنبوكلب ( في دومة الجندل وتبوك وبعض أطراف الشام ) « 6 » وفزارة ( في ما سمي وراء وادي القرى ) « 7 » ، وبهراء ( ما بين ينبع وأيلة ) « 8 » ، ولخم ( ما بين مدين وتبوك امتداداً إلى أذرع ) « 9 » ، وسليح ( في ناحية فلسطين ) « 10 » ، وعاملة ( في الجليل ) « 11 » ، وتنوخ ( في قنّسرين ) « 12 » ، وغيرها من القبائل المتحركة في المنطقة الشامية في ذلك الحين . بيد أن البيزنطيين ، على الرغم من تأمين إتصالاتهم عبر هذه القبائل بشبه الجزيرة ، تاقوا إلى نفوذٍ أكثر فاعلية فيها ، وطمحوا إلى تحقيق ما عجز عنه أسلافهم من القوى الكبرى ، مستخدمين وسائل قد لا يكون بينها التدخّل العسكري المباشر ، ولعلهم وجدوا في ضعف العرب الجنوبيين إبّان العهد الحميري ، فرصة للتعبير عن أهدافهم في وقتٍ ربما أقلقهم فيه استغلال الفرس ، على التخوم الشرقية لشبه الجزيرة هذا الواقع ، ومحاولتهم التوسّع باتجاه اليمن ، بما يحمله ذلك من ضررٍ فادح على المصالح
--> ( 1 ) فولدكه ، أمراء غسان ص . 17 - 19 . ( 2 ) المرجع نفسه ص . 20 . ( 3 ) فولدكه ، المرجع السابق ص . 31 . ( 4 ) المحبّر ص . 371 . ( 5 ) حمزة الأصفهاني ، تاريخ سني ملوك الأرض ص . 198 أنظر أيضاً : فولدكه ، أمراء غسان ص . 6 . ( 6 ) ابن سعد ، غزوات الرسول وسراياه ص . 89 . ( 7 ) المسعودي ، التنبيه والإشراف ص . 235 . ( 8 ) القلقشندي ، صبح الأعشى ج . 1 ص . 317 . ( 9 ) الهمداني ، صنعة جزيرة العرب ص . 271 - 272 . ( 10 ) البكري إعجام ما استعجم ج . 1 ص . 23 . ( 11 ) الهمداني ، المصدر السابق ص . 272 . ( 12 ) البلاذري ، فتوح البلدان ص . 173 170 .